غليان عراقي ضد قوات الأمن جراء استهداف المحتجين   قتل المتظاهرين السلميين ...جريمة فضيعة يعاقب عليها القانون   العراق يلجأ إلى السعودية لاستيراد الطاقة عوضا عن إيران   "أوبزيرفر" تشن هجوما عنيفا على سياسة ترامب تجاه الأطفال   قصف دير الزور.. مقتل 40 عنصرا من النظام   مقتل العشرات من تنظيم الدولة و"البيشمركة" بمواجهات بالعراق   إحصائية صادمة لهندوراس عن أطفال فصلوا عن ذويهم بأمريكا   الصوم في الشمال الأوروبي وإشكالية الإفتاء المعاصر (2-2)   أزمة تضرب إيران والحكومة توقف تصدير الكهرباء والمياه   لاعبون أجانب ساهموا في تألق 3 منتخبات أوروبية بمونديال روسيا   دراسة جديدة: هذه هي الأشياء التي ستندم عليها بعد الخمسين   اليوم العالمي للغة العربية 18 كانون اول   تسريبات تكشف مواصفات هاتف HTC U12+   نجم منتخب كرواتيا يسدد قروض جميع سكان قريته   المغفور له اياد فتيح الراوي في ذمة الله  
مقالات مختارة

جرف الصخر.. الجرح النازف في الخاصرة العراقية

هارون محمد / العرب اللندنية

هل من المعقول أن يخرج رئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة حيدر العبادي على الملأ ويعلن استغرابه من قرار اتخذه مجلس محافظة بابل، بمنع عودة نازحي قضاء جرف الصخر إلى بيوتهم الأصلية وممتلكاتهم الشرعية، ويكتفي بحالة “الاستغراب” ولا يتخذ إجراء رادعا ضد دعاة الفتنة والفرقة وهم يقترفون خطيئة كبرى ويرتكبون جريمة تندرج ضمن جرائم الإبادة الجماعية وانتهاك حقوق الإنسان، وهو الذي يدعي أنه جاء لإصلاح الأوضاع الشاذة وتكريس المساواة بين المواطنين ونشر العدل وسيادة القانون؟

إن أبسط إجراء كان على العبادي وهو المسؤول الأعلى للسلطة التنفيذية والقوات المسلحة أن يتخذه، هو إحالة محافظ ورئيس وأعضاء مجلس محافظة بابل إلى التحقيق والمسـاءلة القانونية، لأنهم قـاموا بعمل خطير تترتب عليه نتائج أخطر، أقلها أن نازحي جرف الصخر، وهم بحدود مئة وعشرين ألف نسمة، حسب الإحصاءات الرسمية، سيكون من حقهم اللجوء إلى جميع الخيارات التي تؤمّن عودتهم إلى بيوتهم ومزارعهـم وبساتينهـم وأعمالهم، بمـا فيها إعـلان العصيان المـدني والتظاهرات السلمية، وإذا لم تتحقق مطالبهم المشروعة، ولم تتمكن السلطات الحكومية والأمنية من إنصافهم، فإن من حقهم الدفاع عن العرض والأرض بكل الوسائل والسبل مهما كانت حادة وقاسية، واسترداد حقوقهم المغتصبة وطرد المحتلين الأغراب من ديارهم، تؤيدهم شرائع السماء والقوانين الوضعية ولوائح الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان.

إن مجلس محافظة بابل أشعل نارا لن تخمد، ورئيسه وأعضاؤه يدركون جيدا أن سكان جرف الصخر لن يسكتوا على من يحظر عودتهم إلى مدينتهم التي عاشوا فيها أبا عن جد في سلام وأمان واحترام مع جيرانهم في الحلة والمسيب والهندية، وكانوا على الدوام عامل استقرار في المحافظة طيلة العقود الماضية، لذلك فإن القرار الجائر الذي اتخذه مجلس المحافظة يشكل مقدمة لنزاع سيتحول إلى تقاتل لا شك فيه، ويمهد لحرب قادمة من الصعب وقفها ما دامت عقلية التسلط والإكراه تسود قرارات هذا المجلس الطائفي التقسيمي، فليس من السهل على أكثر من مئة ألف إنسان أن يعيشوا نازحين في أماكن غير أماكنهم يواجهون الجوع والحرمان، ويُمنعون من العودة إلى مواطنهم التي غادروها ليس بإرادتهم وإنما نتيجة تلكؤ الأجهزة الحكومية التي أتاحت لمسلحي تنظيم داعش التعرض لقضاء جرف الصخر، ومنعت سكانه من حمل السلاح للتصدي له، وفق نظرية “السلاح بيد الدولة” المطبقة على السنة العرب فقط.

ومما يثير الفزع من قرار مجلس محافظة بابل، أن المعلومات المؤكدة أن محتلي مركز قضاء جرف الصخر ليسوا عراقيين، وإنما ميليشيات إيرانية ولبنانية من حزب الله، وسبق لها أن اعتقلت وزير الداخلية السابق محمد الغبان لست ساعات عندما حاول تفقد القضاء، ولم تطلق سراحه إلا بعد اتصالات مع طهران، رغم أن الغبان قيادي في ميليشيا بدر إضافة إلى وظيفته كوزير، وأكثر من هذا فإن لزعيم ائتلاف الوطنية إياد علاوي تصريحا خطيرا في مايو الماضي، قال فيه إن هادي العامري وأبومهدي المهندس أبلغاه بأن قرار مستقبل جرف الصخر في إيران وليس في العراق.

وعُرف قضاء جرف الصخر ببساتينه المثمرة ومزارعه الغناء، التي جُرفت بالكامل من قِبل الميليشيات الشيعية والقوات الأمنية، بزعم منع أي تسلل لعناصر تنظيم داعش، وثمة معلومات تشير إلى أن الأبنية الحكومية والمدارس في القضاء قد تحولت إلى معتقلات سرية يعتقد أنها تضم حاليا أكثر من سبعة آلاف معتقل سني نُقلوا إليها من حزام بغداد ومناطق شمال بابل، من ضمنهم 1600 من محافظة الأنبار، نصفهم من ناحية الصقلاوية وحدها، في وقت تلتزم الحكومة العراقية ووزارة الداخلية الصمت إزاء مصيرهم، مع اعتراف الأخيرة بأن الأمر ليس في يدها.

وكانت القوات الحكومية وميليشيات الحشد الشعبي قد أخلت القضاء من سكانه البالغ عددهم 120 ألف نسمة، أغلبهم من عشائر الجنابية وطي والمعامرة والدليم والجبور السنية، قبل معركة استعادته من تنظيم داعش أواخر أكتوبر 2014، ومنعت مشاركتهم في القتال ضد التنظيم بدعوى الخوف عليهم، مؤكدة لهم أنها ستعيدهم إلى ديارهم فور انتهاء العمليات العسكرية وتطهير القضاء من الألغام، وها قد مرت قرابة ثلاث سنوات ولم يعد إلى جرف الصخر شخص واحد من سكانه الأصليين.

لقد ذهب وفد من سكان جرف الصخر إلى طهران، وقابل مسؤولا كبيرا في مكتب ولي الفقيه علي خامنئي، وشرح بالتفصيل معاناة أكثر من مئة ألف إنسان نزحوا من المدينة ويحظر عليهم العودة إلى بيوتهم ومصادر رزقهم وكلهم مسلمون، فكان جوابه انتظروا. وزار وفد آخر مقر بعثة الأمم المتحدة في بغداد، وأوضح ظروف نازحي المدينة ودعا المنظمة الدولية إلى التحرك ودعوة الحكومة العراقية إلى ممارسة سلطاتها على جزء لا يتجزأ من البلاد، وكان رد المسؤول الأممي، نأمل من حكومة العبادي أن تحل المشكلة وإذا فشلت فمن حقكم تدويل القضية.

إن استمرار سيطرة الميليشيات الشيعية على جرف الصخر، وقرار مجلس محافظة بابل بمنع عودة نازحي المدينة إلى منازلهم وأراضيهم، سيخلقان حتما وضعا ليس في صالح الأمن والاستقرار في المحافظة والعراق، وسيقودان بالتأكيد إلى اقتتال متوقع في أي وقت خصوصا وأن ربع النازحين على الأقل، من الشباب والرجال القادرين على حمل السلاح وهم يئنّون منذ ثلاثة أعوام مرت على تحرير مدينتهم، من وطأة الفقر والبؤس والإحباط، وهناك خشية جدية من تحولهم إلى قنابل موقوتة تنفجر في أي لحظة، فما معنى الحياة والإنسان اغتصبت داره أو مزرعته وشردت عائلته، وحرم من الإقامة والعيش في مدينته، مسقط رأسه وموطن آبائه وأجداده.