الفرق الجنائية التركية ستفتش بيت القنصل السعودي   من حقنا ان نحلم ...   اختطاف 14 عسكريا إيرانيا على حدود باكستان.. بينهم حرس ثوري   نيويورك تايمز: خاشقجي قتل بعد ساعتين وقطِّع "بأوامر عليا"   فصائل معارضة تتأهب وتنتظر ساعة الصفر لدخول منبج السورية   تنازل الصدر عن الحقائب الوزارية يربك نظام المحاصصة في العراق   قوات الاحتلال تشن حملة اعتقالات في الضفة المحتلة   هل يتحرك ترامب كذلك من أجل رعاياه في السجون المصرية   تركيا تبحث تحديث اتفاقية التجارة الحرة مع الأردن   لاعبون أجانب ساهموا في تألق 3 منتخبات أوروبية بمونديال روسيا   تعرف على الأغذية التي لا يمكن تناولها مع الأدوية   انطلاق الدورة الثانية للخط العربي في الجامعة القاسمية بالشارقة   موظفو مايكروسوفت يرسلون رسالة غاضبة لإدارتها ما مضمونها   مسلمة محجبة تنتخب للبرلمان السويدي   المغفور له اياد فتيح الراوي في ذمة الله  
مقالات مختارة

أزمة الخطاب الديني وانعكاساتها الخطيرة (3-3)

د. محمد عياش الكبيسي / العرب القطرية
إن المتلقي البسيط إذاً، لم يعد يتلقى صورة واحدة للدين، بل هناك صور مختلفة تصل إلى حد التناقض تبعاً لثقافة الشيخ وموقعه الرسمي وانتمائه الحزبي أو المذهبي، وربما تبعاً لمزاجه أيضاً وحالته النفسية!
إن الخطيب أو الواعظ كثيراً ما يتعامل مع النصوص بطريقة معكوسة، فهو يتبنى الرأي أولاً ثم يعود إلى النصوص، ليبحث فيها عما يؤيّد فكرته، ولذلك هو لا يقرأ القراءة البحثية الشاملة، بل هو يميل إلى ما يسمى بالقراءة الانتقائية، والتي تجعل السامع في كثير من الأحيان يسمع عن هذا الشيخ سرداً من النصوص مختلفاً عن النصوص التي يسمعها عن شيخ آخر، ومعنى هذا أن الخلاف لم يعد منحصراً في الاجتهاد والفتاوى، بل في النصوص أيضاً.
إننا هنا لا نتكلم عن الفتاوى التي كانت تحرم التعامل مع التلفزيون مثلاً، أو قيادة المرأة للسيارة، وكيف تلقى عامة الناس -وجيل الشباب خاصة- مثل هذه التحولات، وإنما نتكلم عن تلك الفتاوى التي تعقبها دماء وأشلاء وضياع أمم ومجتمعات.
ما زلت أذكر أحد مشايخ الجهاد الأفغاني، وهو يضع معادلة جهادية ثابتة، «الله أقوى من روسيا، ونحن مع الله، إذاً نحن أقوى من روسيا»، وهي نفس المعادلة التي أصرّ عليها خطباء «التوحيد والجهاد» في معركة الفلوجة الثانية، وربما هي المعادلة ذاتها التي رفعتها بعض الفصائل السورية، وبعض خطباء الإخوان في رابعة، وحينما تكون هذه المعادلة مدعومة بعشرات النصوص من الكتاب والسنّة، فإنها ستتحول إلى عقيدة، وهنا نكون قد وضعنا الدين نفسه في مجازفة غير مدروسة وغير محسوبة، هذا فضلاً عن الخطأ المنهجي الفادح في أصل هذا الاستنباط، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- كان هو وأصحابه على الحق يقيناً، لكنه ترك مكة وفيها الكعبة التي تعج بالأصنام، وهاجر إلى المدينة، ولما تجمعت أحزاب المشركين عليه اضطر لحفر الخندق تجنباً لمواجهتهم، فأين تقع هذه المواقف النبوية وغيرها كثير من هذه المعادلة؟ 
لقد كنا حينما نسأل عن مصير أهل السنّة في العراق إذا تمكنوا من إخراج الأميركان، فيقال لنا: إن الذين جاؤوا مع الاحتلال سيخرجون معه، وربما قبله، فالله الذي ينصرنا على أميركا سينصرنا بالتأكيد على عملائها، لقد تلقف الناس هذه العبارة في ذلك الجو الحماسي والعاطفي كعقيدة دينية، وليس كأمنية أو أهزوجة، والذي يشكك في هذه «العقيدة» كأنه منافق أو عميل، أو على الأقل ضعيف الإيمان! والحديث عن «الفسطاطين» حاضر في مثل هذه الأحوال «فسطاط إيمان لا نفاق فيه، أو فسطاط نفاق لا إيمان فيه».
أغرب ما في الأمر أن ذلك الشيخ -الذي كان ينادي بتلك المعادلة على أنها ثابتة من ثوابت العقيدة- اضطر للتنازل عنها بعد دخول طالبان، وسرعان ما اكتشف أن التحالف مع أميركا ضرورة إلى جنب التحالف مع الله!
إن ما نشهده من ارتباك حتى في أوساط الدعاة والمفكرين، فضلاً عن موجات التذمر والتشكيك لدى الشباب، والتي وصلت في بعض الأحيان إلى حد الإلحاد، ما هي إلا ردة فعل لتراكم حالات الفشل المتكرر لهذا الخطاب، وتناقضاته على مختلف الصُعد والميادين.