سُنة العراق منقسمون حيال الحلبوسي واحتفاء شيعي بفوزه   فرصة لإستعادة العافية للإقتصاد العراقي ...   كيف تسير مفاوضات تشكيل الحكومة العراقية المقبلة   الغارديان: حتى الدول الإسلامية خائفة من إدانة قمع الإيغور   تعزيزات عسكرية تركية جديدة إلى الحدود مع سوريا   تغييرات أمنية في البصرة بظل الاحتجاجات وحظر للتجوال   مصنع أمريكي يدفع 1.5 مليون دولار لمسلمين منعهم من الصلاة   قاتلوا بلادهم ثم حكموها   العقوبات تهوي بالروبل الروسي إلى أدنى مستوى في عامين   لاعبون أجانب ساهموا في تألق 3 منتخبات أوروبية بمونديال روسيا   أفضل نظام غذائي للأشخاص المصابين بالتهاب المفاصل   انطلاق فعاليات المعرض الدولي الرابع للكتاب العربي بإسطنبول   ماذا تعرف عن أول منصة إسلامية للعملات الرقمية   بلدية تركية توزع هدايا مسابقة "صلاة الفجر" على 520 طفلا   المغفور له اياد فتيح الراوي في ذمة الله  
مقالات مختارة

أزمة الوعي.. الانتخابات العراقية نموذجاً (2-2)

د. محمد عياش الكبيسي / العرب القطرية

إن الذي يخشاه الفاسدون والانتهازيون وسياسيو الصدفة إنما هو الوعي، الوعي الذي يقود إلى قرار بالمشاركة، أو قرار بالمقاطعة؛ لأن المشارك الواعي يعرف لماذا يشارك وكيف يشارك، والمقاطع الواعي يعرف كذلك لماذا يقاطع وكيف يقاطع.
إن الوعي ينطلق أولاً من تحديد الهدف، ثم تحديد الوسائل والأدوات المتاحة والمناسبة، وهذا لا يكون إلا بدراسة معمّقة تعتمد الاستقراء والتحليل أو (السبر والتقسيم) كما يقول الأصوليون، وأن يجعل الدارس أو الباحث في ذهنه مبادئ الاحتمالية والنسبية والمرونة، فليس في السياسة (أسود وأبيض) ولا خير محض وشر محض، وإنما هي تقريب وتغليب، ومراعاة لحال الناس وواقعهم وإمكانياتهم ومستوى وعيهم والظروف الداخلية والخارجية المحيطة بهم.
انظر مثلاً إلى هارون -عليه السلام- كيف يرى المحافظة على وحدة المجتمع الذي يقوده، وإن كان بينهم من عبد العجل {قال إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل}؛ لأن معالجة الحالة النشاز لا تكون بتشتيت المجتمع وتضييعه، بل بالمحافظة عليه حتى تحين الفرصة المواتية لإصلاحه.
وهذا نبينا محمد -عليه الصلاة والسلام- كيف يوافق في الحديبية على أن تبقى الكعبة ومكة كلها تحت حكم الأصنام وسدنتها عشر سنين، ثم ينزل القرآن ليصف هذا الاتفاق بالفتح المبين {إنا فتحنا لك فتحا مبينا}.
إن الصورة الجزئية للحل المشروع قد لا تختلف كثيراً عن غيرها، وإنما العبرة بالخيط الناظم والمشروع المتكامل؛ إذ من الممكن أن يقول ضعيف الإيمان قولة شبيهة بقولة هارون، لكنه يقصد المداراة لقريبه أو شريكه وليست بمنظومة هارون الإصلاحية، كما أنه من الممكن أن يقول منافق ما قولة شبيهة ببند من بنود الحديبية، لكنه يقصد التهوين من شأن الكعبة وليس دخول الناس أفواجاً في دين الله ثم الاستعداد لفتحها كما حصل بالفعل بعد الحديبية. 
وكذلك فإن المواقف التي تأتي نتيجة لردود الأفعال ستتحوّل بسهولة إلى أداة من أدوات المشروع المقابل، كما يقال في السياسة: كن مشروعاً وإلا فإنك ستكون بالضرورة جزءاً من مشاريع الآخرين، وهذا ينطبق في الحالة العراقية على الموقفين الضدّين: المشاركة والمقاطعة؛ لأنهما من المواقف المجزّأة والمقطّعة والتي لا تمثّل مشروعاً مهما كان.
قال لي أحدهم: لماذا لم تتفقوا أنتم -علماء السنّة- على موقف واحد؟ قلت له: أصارحك أن هذا السؤال بحد ذاته هو مؤشّر على نقص في الوعي وشيء من عدم الرغبة في تحمّل المسؤولية. قال: كيف؟ قلت: لو أنك طلّقت امرأتك، ثم رغبت في إرجاعها فهل ستشترط أن يتفق كل العلماء على فتوى الإرجاع؟ أم أنه يكفيك واحد منهم ولو خالفه الآخرون؟ علماً بأن مسائل الطلاق وردت في القرآن الكريم والسنّة الصحيحة، بينما مسائل الانتخابات لم ترد لا في قرآن ولا في سنّة. إن المجتمع لو كان واعياً فإنه سيضبط بوصلته ويقدّر مصلحته -والسياسة كلها مصالح- والفقيه لا يختلف عن غيره في هذا سوى في الموجّهات والمبادئ الشرعية العامة، ومن ثمّ فإن للمجتمع أن يستفيد من كل الاختصاصات باجتهاد شوري جماعي.. اجتهاد ينظر إلى الجزئيات مع الكلّيات، وإلى الآنيّات مع المآلات، وإلى الطموحات مع الإمكانيات؛ وإلا فإنه سيبقى في دوّامة التيه الطويل، وسيذهب اللصوص بالجمل وما حمل.