أردوغان: لن نترك القدس تحت رحمة الاحتلال الإسرائيلي   كيف أنجز ترامب رمزيا بسنغافورة مقابل الفشل الجوهري   إدانة "حماس" تتصدر دبلوماسية أمريكا في الأمم المتحدة   أمنستي: دمار الرقة ومقتل المدنيين فضحا دقة طيران التحالف   نظام الأسد يقتل 5 مدنيين صبيحة العيد بريف درعا   24 قتيلا وجريحا بانفجار وسط سوق في ديالى العراقية   مواجهات في الأقصى وقوات الاحتلال تقمع المصلين   الصوم في الشمال الأوروبي وإشكالية الإفتاء المعاصر (2-2)   تركيا تعتزم فرض رسوم على منتجات لشركات أمريكية عملاقة   مدرب بايرن ميونيخ: كنا أفضل من الريال   دراسة جديدة: هذه هي الأشياء التي ستندم عليها بعد الخمسين   اليوم العالمي للغة العربية 18 كانون اول   تسريبات تكشف مواصفات هاتف HTC U12+   حيوانات القنادس تقلل من تلوث الأنهار   المغفور له اياد فتيح الراوي في ذمة الله  
مقالات مختارة

الصوم في الشمال الأوروبي وإشكالية الإفتاء المعاصر (1-2)

د. محمد عياش الكبيسي / العرب القطرية

في شمال أوروبا كالسويد والنرويج، ومثلها كل البلاد التي يطول فيها نهار الصيف حتى يتجاوز العشرين ساعة وأكثر، تثار مسألة الصوم، وقد ذهبت إلى هناك، وعلمت أن بعض المسلمين يخالف ما عليه الفتوى في تلك البلاد، فيفطر قبل غروب الشمس، تقليداً لفتاوى أخرى تجيز التقدير على البلد الأقرب، أو على بلاد الحرمين خاصة، كما هي فتوى شيخ الأزهر الأسبق جاد الحق -رحمه الله- وبعض الفقهاء الأقدمين ممّن تناول ما عرف بفتاوى بلاد البلغار، وهي فتاوى تلاحظ خصوصية تلك البلاد في الصوم وفي الصلاة أيضاً، فقد جاء في الفقه الشافعي: «سُئل الشيخ أبوحامد عن بلاد بلغار كيف يصلون؟ فإنه ذكر أن الشمس لا تغرب عندهم إلا بمقدار ما بين المغرب والعشاء ثم تطلع، فقال: يعتبر صومهم وصلاتهم بأقرب البلاد إليهم» البجيرمي علي الخطيب ج3 ص 374.
أما الذي عليه مجلس الإفتاء الأوروبي وعلماء بلاد الحرمين الشريفين وغيرهم من علماء المسلمين اليوم، فإلزام الصائمين بالإمساك حتى مغيب الشمس، ولو استمر إمساكهم ثلاثاً وعشرين ساعة، ومناط الحكم عندهم التمايز أي وجود اسم الليل واسم النهار أخذاً بقوله تعالى: «ثم أتموا الصيام إلى الليل»، والقاعدة تقول: لا اجتهاد في معرض النص، وعلى هذا فلا يجوّزون التقدير إلا اذا انعدم التمايز، بمعنى أن يكون النهار أربعاً وعشرين ساعة أو أكثر، ولكن كثيراً من هؤلاء تجوّزوا في تقديم صلاة العشاء إلى وقت المغرب، وهو المعمول به في كثير من المساجد هناك، بل وقرأت فتاوى لآحاد من العلماء بإسقاط صلاة العشاء أصلاً، وهي -وإن لم يلتفت إليها- لكنها تؤشّر على وجود مشكلة فقهية، تتطلب منهجية إفتاء أكثر ضبطاً وأكثر دقة.
الذي يعنينا هنا ليس ترجيح فتوى على فتوى، ولا رأي على رأي، وإنما تشخيص نقطة الإشكال المنهجي في طريقة الإفتاء المعاصر، والتي ربما تنتج إشكالات أخرى في مسائل أخرى أكثر حساسية وأبعد أثراً.
حضرت اجتماعاً موسّعاً لبعض العلماء وخطباء المساجد في الغرب لبحث هذه المسألة، ثم ختم الاجتماع بالاتفاق على حرمة التقدير في الصوم، وعلى جواز تقديم العشاء، والجو العام كان كله بهذا الاتجاه، حتى رأيت كأنهم ما كانوا يشعرون بالحاجة لبحث هذا الموضوع أصلاً، اقترحت حينها إشراك مجموعة من الأطباء على أن يقدّموا أوراقاً بحثية عن مدى تأثير هذا الإمساك على جسم الإنسان، فلم يحظَ الاقتراح بالاهتمام، وأجابني أحد المشايخ الفضلاء: بأن المسألة لا تستوجب، فمن عجز عن الصيام أفطر ويقضي في أيام أخر، وربما على سبيل المجاملة تم الاتصال بطبيب مسلم مقيم هناك، فكان جوابه كالآتي: «ليس هناك أي ضرر، وكيف نشك بإمكانية وجود ضرر في شيء فرضه الله علينا»، فهمت أن الطبيب هنا لم يتكلم بمعلومة طبّية مدروسة، وإنما تكلّم بمنطق الشيخ أيضاً، وهذه إشكالية أخرى، حيث نكتشف أن الطبيب أو عالم الفلك المتديّن قد يجيبنا بآرائه الدينية وليس بمعلوماته التخصصية، لكن الشيخ يفرح لما يظنه مستنداً علمياً لرأيه، فيحصل نوع من التضليل أو الغش غير المتعمد.