الفرق الجنائية التركية ستفتش بيت القنصل السعودي   من حقنا ان نحلم ...   اختطاف 14 عسكريا إيرانيا على حدود باكستان.. بينهم حرس ثوري   نيويورك تايمز: خاشقجي قتل بعد ساعتين وقطِّع "بأوامر عليا"   فصائل معارضة تتأهب وتنتظر ساعة الصفر لدخول منبج السورية   تنازل الصدر عن الحقائب الوزارية يربك نظام المحاصصة في العراق   قوات الاحتلال تشن حملة اعتقالات في الضفة المحتلة   هل يتحرك ترامب كذلك من أجل رعاياه في السجون المصرية   تركيا تبحث تحديث اتفاقية التجارة الحرة مع الأردن   لاعبون أجانب ساهموا في تألق 3 منتخبات أوروبية بمونديال روسيا   تعرف على الأغذية التي لا يمكن تناولها مع الأدوية   انطلاق الدورة الثانية للخط العربي في الجامعة القاسمية بالشارقة   موظفو مايكروسوفت يرسلون رسالة غاضبة لإدارتها ما مضمونها   مسلمة محجبة تنتخب للبرلمان السويدي   المغفور له اياد فتيح الراوي في ذمة الله  
مقالات مختارة

قراءة في المظاهرات في جنوب العراق

وسام الكبيسي / مركز أمية 

منذ أن انطلقت المظاهرات قبل أسبوعين من الزمان تقريبا، ولا زالت إلى اليوم غير واضحة المعالم، فلا يعرف بدقة من هم القائمون عليها، ولا ما هي أهدافهم بوضوح؟ حتى شعاراتهم بدا أنها متباينة من مكان لآخر ومن تجمع تظاهري لآخر، وربما ظهر هكذا تباين داخل تجمع التظاهر الواحد، وهو مؤشر يقودنا إلى البحث أولًا في معرفة طبيعة هذه المظاهرات من الداخل، هل هي كتلة واحدة برؤية وتوجه واحد؟ أم هي تضم عدة تيارات برؤى وتوجهات مختلفة؟ وما تأثير ذلك على مستقبل الاحتجاجات؟ ومع صعوبة متابعة هذه المظاهرات نتيجة الانقطاع المتعمد لوسائل التواصل الاجتماعي (الوسيلة التي يتواصل عبرها المتظاهرون مع العالم الخارجي) إلا أن ما يصل من معلومات ومقاطع عبر هذه الوسائل -حتى الآن-لا يكفي لتحقيق هذه الغاية.

أصناف المتظاهرين:

       من خلال المتابعة يظهر أنّ المظاهرات التي انطلقت من البصرة وتوسّعت لتشمل بقية المحافظات الجنوبية في العراق يشارك فيها -على الأقل-ثلاثة أصناف وهي:

صنف خرج بعفوية نتيجة لسوء الأحوال المعيشيّة التي يراها تتردّى أمام عينيه يوما بعد آخر، مما جعله ناقمًا على الوضع، وجاء النقص الشديد للتيار الكهربائي في وقت تصل فيه درجات الحرارة إلى 55 درجة مئوية ليكون الشرارة وليظهر الشعب نقمته على الفساد المالي والإداري ونقص الخدمات وحالة البطالة بين الشباب والفساد المستشري… وهذا الصنف قد يكون من السهل استدراجه من قبل أحد الصنفين الآخرين إن لم تنبثق عنه قيادات جامعة توجّه دفته بعيدًا عن أصحاب الأغراض والمصالح.
صنف يتحرك بإمرة إيران وأذرعها وهو يهدف إلى إيجاد أوراق ضغط على قوى دولية. خصوصا ملف النفط وشركاته، وهؤلاء هم الذين يحاولون توجيه المظاهرات نحو مقّرات ومواقع شركات النفط والموانئ والمناطق الحدودية.
صنف يقوده التيار الصدري ويهدف لتصفية حسابات مع أحزاب وفصائل باتت تمارس ضغوطًا عليه –ازدادت وتيرتها بعد الانتخابات الأخيرة – والتيار يرى أنها تأتي بدفع إيراني، وهؤلاء هم الذين يقتحمون مقرات الأحزاب والفصائل المليشياوية الأخرى.

إيران والأذرع التابعة لها:

         مع أنّ التنبؤ بمآلات المظاهرات لا تبدو واضحة بصورة كافية في هذه اللحظة، إلا أنّ من الواضح حتى الآن أن إيران وتوابعها على الأرض أقدر من غيرها في إدارة المشهد وتوجيهه بما يحقّق مصالحها وأهدافها سواء منها ما هو داخل العراق أو خارجه. ولا يخفى ما لإيران من يد قويّة في تأجيج الوضع، فقد اختارت أسوأ التوقيتات لتصفية حساباتها مع حكومة السيد العبادي، وكان بإمكانها تأجيل الحديث عن المستحقات المالية المتعلقة بعقود توريد التيار الكهربائي، أو التفاوض على جدولة الدين في أسوأ الأحوال، حتى ينقضي وقت الذروة، حيث أشهر الصيف اللاهبة في العراق، وفي جنوبه على وجه الخصوص، ولكنها قرّرت قطع التيار الكهربائي وإغلاق باب التفاوض مع حكومة العبادي! فهل خططت طهران لذلك؟ وما أغراضها على فرض أنّ هذا السيناريو كان صحيحًا؟

     من يتبنّى هذه الفرضية يرى أن إيران تحقّق عدّة أهداف من أهمّها تصدير أزمتها الحالية إلى الخارج والمتمثلة بانهيار اقتصادها وعملتها وبقيّة تداعيات إلغاء الاتفاق النووي الذي أعلنه الطرف الأمريكي مؤخرًا من طرف واحد، وقد تهدف إيران إلى الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية والغرب من خلال تقليل المعروض النفطي العالمي – أو التلويح بذلك – حيث تبلغ صادرات النفط من حقول وموانئ العراق الجنوبية ما يقارب 2.75 مليون برميل يوميًا، وهو رقم سيؤثّر كثيرًا على المعروض النفطي العالمي ويهدّد برفع أسعاره إلى مستويات أعلى، مما يجعل فرص تطبيق أمريكا لتهديداتها بتصفير صادرات النفط الإيرانية أصعب بكثير في ظلّ الضغوط التي يتوقّع أن تمارسها الشركات والدول المتضرّرة من ارتفاع الأسعار.

       من ناحية أخرى قد يكون ضغطًا على روسيا، حيث تملك شركة لوك أويل الروسية حجمًا كبيرًا من المشاريع النفطيّة في جنوب العراق، وقد يقود استهداف مواقعها ومكاتبها إلى الضغط على روسيا التي أظهرت إشارات مزعجة لإيران في الملفّ السوريّ بعد سنوات من التنسيق بين البلدين.

      هل هناك إمكانيّة لفرضيةٍ أخرى تقول: بأن إيران أرادت حراكًا شعبيا قرب الحدود مع الكويت التي فاجأت العالم باتفاقيات واسعة مع الصين؟ فهذا التوجّه الكويتي لا يروق لإيران من جهة، وقد تستغله كورقة تساومية مع أمريكا التي يزعجها أيّ تمدّد صينيّ إلى منطقة النفوذ الأمريكي في “الخليج والجزيرة العربية”

      مما يسمح بقبول مثل هذه السيناريوهات هو أنّ إيران ساعدت على تأجيج هذه الأحداث وإشعال فتيلها عندما اختارت أسوأ توقيت لتُوقف فيه تجهيز العراق بالتيار الكهربائي، حيث تصل درجات الحرارة إلى أعلى مستوياتها، وربما تظهر حسابات إيرانية داخلية تتعلق بإضعاف مركز “السيد العبادي” لحرمانه من فرصة إعادة تكليفه رئيسا لمجلس الوزراء، وقد تذهب أبعد من ذلك لفرض مرشحها أو مرشح تسوية في أسوأ الأحوال، استباقا لضغوطات وتحركات أمريكيّة تهدف لفرض مرشّح لا تملك إيران تأثيرًا عليه، في فترة حرجة تمرّ بها العلاقات الأمريكية – العراقية – الإيرانية، حيث باتت حكومة بغداد ترضخ للمطالب الأمريكية بمحاصرة إيران اقتصاديا، ونتج عن ذلك إعلان عدد من البنوك العراقية رفض التعامل المباشر مع إيران تحاشيا لأيّ عقوبات دولية أو أمريكية.

التيار الصدري وحلفاؤه:

        الصنف الثالث: المتمثل بالتيار الصدري وبعض القوى التي اختارت الاصطفاف معه وهم من أكثر الجهات التي حرّكت مظاهرات وحقّقت اعتصامات في المناطق الوسطى والجنوبية في الأعوام القليلة الماضية، وذلك لما يملكونه من قدرة على حشد وتحريك قطاع واسع من الشباب المهمّش والقريب من التيار، وقد بلغ التصعيد في بعض حالاته ذروته حتى وصل إلى اختراق المنطقة الخضراء شديدة التحصين في بغداد من قبل المتظاهرين، ولكنها كانت في كل مرة تتراجع عن جني ثمرة حركتها، وتتركها لتسقط من غصنها بعد أن أينعت وحان قطافها!

        أنصار التيار يتمّ اتهامهم من قبل الأحزاب والفصائل المنافسة بأنهم خلف عمليات إحراق أو تخريب بعض مقراتهم وممتلكاتهم، وهو يأتي -وفقا لهذه الرؤية-في خطوة تستغلّ انطلاق المظاهرات لتصفية حسابات سياسية وفصائلية، وربما تقليلًا لضغوط تمارسها أذرع إيرانية تهدف لتحييد أيّ مرشح قريب من كتلة “سائرون” التي حصلت على أعلى نسبة من مقاعد البرلمان القادم – وفقًا للنتائج الأوليّة المعلنة – أو محسوب عليها.

        ربما يدرك الصدر وتحالفه أنّه أمام خيارين فإما أن يرضخ للضغوط الإيرانية ويعود لأربعة أعوام أخرى من المناورة المحدودة، وإما أن يستغلّ فرصة كهذه ويعيد تموضعه من جديد داخل العملية السياسية، مستغلًا نفوذه القويّ على بعض القطاعات الشعبية الموالية، وغالب الظن أن الصدر سيبحث هنا عن حلفاء خارجيين يقدمون له الدعم السياسي والمعنوي في مقابل حصول منافسيه على الدعم الإيراني، وقد يكون ذلك قد تمّ فعلًا في ضوء بعض الإشارات التي يتمّ التقاطها من هنا وهناك، منها ما قاله الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في بروكسل عشية اجتماع قادة حلف الناتو حيث أشار إلى “أن إدارته ستتعامل مع الفائزين في الانتخابات العراقية”.

         هذه الإشارة عضدتها دراسة صادرة عن معهد سياسيات الشرق الأوسط المعروف بقربه من صانع القرار الأمريكي جاء فيها “أن الاحتجاجات الدائرة في البصرة ومدن عراقية أخرى، عزّزت موقف مقتدى الصدر”، وأضاف التقرير بالنسبة لمقتدى الصدر الذي قفز للواجهة في احتجاجات عام 2016، فإنه يعتبر الشخصية الأقلّ استهدافًا في الاحتجاجات الحالية، وهذا سيعزّز مركزه في المفاوضات الجارية لتشكيل الحكومة القادمة. وهي إشارات قد يكون الصدر التقطها، وقد يكون لها ما قبلها من تواصل عبر قنوات غير معلنة، ولكن في غالب الظنّ فإن هذه الأطراف الخارجية وضعت أو ستضع في حسبانها تاريخ السيد الصدر الذي تراجع في عدة محطّات عن وعودٍ أطلقها لحلفائه، من أبرزها: تغيير موقفة من اتفاق أربيل في اللحظات الأخيرة قبل خمسة أعوام تقريبا، وذلك يوصلنا إلى فرضيّة أن هذه القوى الخارجية لن تقدم الدعم غير المشروط للسيد الصدر في المرحلة الحرجة القادمة، وستبحث عن ضمانات تسبق خطواتها في دعم قائمته.

المتظاهرون غير المؤدلجين:

          بالعودة إلى الصنف الأول: وهم غالبية البسطاء من أبناء المحافظات الجنوبية الذين لم يخرجوا تبعا لخلفيات أيديولوجية أو حزبية، بقدر ما خرجوا لأسباب اجتماعية، حيث إنهم يعيشون تحت ظروف من الفقر والقهر وانعدام الخدمات الأساسية وأبسط مقومات العيش البشري، وهم يرون أن الفرص تتضاءل أمامهم في تحسين ظروف الحياة ومستوى المعيشة وتقليل البطالة والفقر ورفع مستوى الدخل، ويعزون الإخفاقات كلّها إلى الفساد المالي والإداري الذي استشرى في كل مفاصل الدولة في “العراق الجديد”، ويرون أنّه لا أمل من أيّ تعديل على الوضع قبل التخلص من أسبابه، وذلك بإزاحة الفاسدين ومحاكمتهم على ما اقترفوه في المرحلة الفائتة.

         وهذا لا يعني أن مطالب هذا الصنف من المتظاهرين محصور في هذه الملفات على أهميّتها، فثَمّ شعارات ترفع هنا وهناك وهي تطالب على استحياء أو صراحة باستعادة السيادة ليد الدولة العراقية وحصر السلاح بيد الدولة، وتجريد المليشيات المرتبطة بأجندات خارجية من سلاحها الذي بات سيفًا مسلطًا بيد بعض القوى المتنفّذة على حساب آخرين، وربما هناك بين المنخرطين مع هذه المليشيات من تعب ويرى أن مبرّر رفع السلاح انتفى بإعلان دحر تنظيم الدولة “داعش”، وبالتالي يريد العودة لحياته الطبيعية.

         مطلب آخر يتمثل في رفض أيّ إملاءات خارجية، حيث بات انتقاد بعض السياسات الإيرانية معلنًا، وتمّ رفع شعارات في أكثر من محطة مظاهرات تندد بالتدخلات الإيرانية وغيرها، ووصل الأمر إلى إحراق بعض المقرات المعروفة بقربها من إيران، أو حتى بعض صور ولافتات وضعت بأسماء القادة الإيرانيين بما فيها صور الخميني وخامنئي.

          ما حصل في الأيام الأخيرة ربما يزيد من رقعة الاحتجاجات، حيث أن طبيعة الكثير من المدن الجنوبية في العراق هي مدن قبلية عشائرية، وسقوط عدد من القتلى يعني أن عشائرهم ستدخل على الخط مطالبة بالثأر، وهو ما حملته الأخبار من محافظة السماوة مثلا حيث يزداد السخط هناك، وترتفع دعوات لمظاهرات كبرى خلال الأيام القادمة.

     ما يمكن أن نعدّه في غير صالح هذا الصنف من المتظاهرين، هو أنهم لا زالوا غير منظّمين، ولا يبدو أن تنسيقا يحصل بينهم في مختلف نقاط التظاهر، وهم وإن اتفقوا على ضرورة التغيير والإصلاح ومحاربة الفاسدين لكن لا يبدون متفقين على طرق ووسائل هذا التغيير والإصلاح، وسيبقى احتمال اختراقهم أو توجيه واستغلال فورتهم أمرًا قائما وميسورًا ما لم يبادر هؤلاء بالاتفاق على قيادات اجتماعية تمثّلهم بعيدًا عن تجاذبات السياسيين وإرادات الأحزاب والفصائل والقوى الخارجية.

قراءة أوليّة في المآلات:

       بالرغم من كل ما تقدّم تبقى إيران أقدر من غيرها وأكثر مرونة في التعاطي مع الحدث ومتغيراته، بما لديها من عوامل وأذرع سياسية وعسكرية وفصائلية واستخبارية على الأرض، ويرجّح في ظني أن إيران ستسمح بحدوث فوضى وتنازعات بين القوى الشيعية (دون أن تسمح لها بالخروج عن السيطرة) ثم تقوم ببعض التسويات بين الأحزاب والفصائل الشيعية، وتهدئة الأمور لصالحها في الوقت الذي تراه مناسبا.

         إيران تنسج سجادة أصفهانية جديدة في العراق، وهي تعلم أن الغرب لا زال بحاجة إليها حاليًا لعدّة أسباب يرتبط بعضها بعلاقته مع دول الخليج، وجعلها سوقا لأسلحته دائمة في ظلّ تصاعد التهديدات الإيرانية، وبعضها بسعيه لفرض سلام في الشرق الأوسط، يخدم مصالحه ومصالح ربيبته في تل أبيب، وإن كان لا يخفي أنه يسعى لتحجيم دورها أو قص بعض أجنحتها.

     مع وجود فرصة للتيار الصدري وحلفائه في تحقيق بعض المكاسب من هذا الحراك الجماهيري، إلا أنّ قدرة قياداته على إدارة الملفات والقنوات والمفاوضات السياسية تقلّل من قدرة التيار على تعظيم مكاسبه، وخصوصًا مع وجود ردّات فعل شعبية مبنية على التجارب السابقة مع التيار، حيث كان يترك حلفاءه من المتظاهرين في وسط الطريق بمجرّد تحقيقه لبعض المكاسب السياسية.

       وهذا كلّه لا يمنع من وجود فرصة مواتية للمظاهرات الشعبية في تحقيق بعض غاياتها التي نادت بها وخرجت من أجلها، ولكن بالإضافة لشرطيّ الاتفاق على قيادات شعبية للتظاهرات غير خاضعة لولاءات داخلية أو خارجية، والاتفاق على خطوات التغيير ووسائله وأدواته، فهي تحتاج لشرط تقديم أجنّدة وطنية بعيدًا عن أجندات المحاصصة بكل أصنافها، والتي كانت ولا تزال السبب الرئيس لما آلت إليه الأوضاع في العراق، ولو تحقق ذلك فقد نكون مقبلين على تغيرات كبيرة، وربما تفوق كلّ التوقعات.