ماكرون يعلن حالة طوارئ اقتصادية واجتماعية بالبلاد   العراق وظاهرة الاٍرهاب ...قصة لابد لها من نهاية ...   نائبان: ترامب قد يكون أول رئيس أمريكي يواجه إمكانية السجن   إيكونوميست: لهذا قررت قطر الخروج من منظمة أوبك   نظام الأسد يتهم التحالف الدولي بقصف مواقعه..   شباب البصرة يحرِّكون الشارع مجدّداً.. وشركات النفط لم تلتزم بعقود التعيين   عشرات الإصابات باعتداء قوات الاحتلال على المتظاهرين بغزة   وشهد شاهد من أهلها   اقتصاد تركيا ينمو بـ1.6 بالمئة في الربع الثالث من 2018   9 أهداف سجلها ميسي تبدو مستحيلة   علماء بريطانيون يطورون فيروس معدلا وراثيا يقتل خلايا السرطان   الفخاريّات.. مهنة تصارع التقدّم التكنولوجي في العراق   انتهى الوزن الذي نعرفه.. علماء يعيدون تعريف الكيلوغرام   مسؤول بريطاني يشيد بحقوق الإنسان في عهد الصحابة   بكت وزيرة الثقافة والرياضة الاسرائيلية  
مقالات مختارة

متى ينتصر العراق على مثلث الفساد

د. محمد عياش الكبيسي / العرب القطرية

تتصاعد هذه الأيام احتجاجات المحافظات الجنوبية والشرقية ضد الفساد، بعد أن هدأت في المحافظات الوسطى والغربية، في دورة قد تتكرر كثيراً بسبب الثقافة الطائفية التي ما زالت مهيمنة على المشهد، رغم أن حيتان الفساد لا تراعي شيعياً لشيعيته، ولا سنّياً لسنّيته، ولا وطنياً لوطنيته، ولا قومياً لقوميته، فثروة البلاد وحقوق المواطنين أصبحت جميعها مرتعاً خصباً لتنافس الفاسدين، وفوران نهمهم الذي لا يحدّه حدّ، ولا يحصيه عدّ، حتى أصبح العراق يتربع بكفاءة عالية على قمّة الدول الأكثر فساداً في العالم.
الفساد في العراق ليس كأنماط الفساد المعروفة أو المألوفة في دول العالم، مثل الغش والرشوة والمحسوبية والاختلاس، لا، فهذا شأن صغار الفاسدين، ولكي نقرّب الصورة، يكفي أن نتذكّر أن العراق ومنذ عقد ونصف يصنف ضمن الدول التي لها الصدارة المطلقة في تصدير البترول، ومع هذا، فالخدمات في قطاع غزّة المحاصر تتفوق على أغلب محافظات العراق، وكثيراً ما ينتابني الأسى حينما أسمع شكاوى أهلنا في غزة من انقطاع التيار الكهربائي لبضع ساعات، ولأيام تطول أو تقصر، بينما في العراق يحلم العراقيون ومنذ سنين عديدة ولو بيوم واحد لا تنقطع فيه الكهرباء، مع الفارق الكبير في درجات الحرارة، أما الخدمات الأخرى فلا تختلف كثيراً، والفاسدون رغم كل ثروات العراق لا يخجلون من مد اليد إلى الدول العربية وغيرها، من أجل مساعدتهم في بناء ملعب لكرة القدم، أو خيمة لعائلة مهجّرة!
الفاسدون في الدول الأخرى يحاولون التغطية على سرقاتهم ببعض المشاريع العمرانية الظاهرة، بينما الفاسدون في العراق لا يشعرون بهذه الحاجة أصلاً، ومن ثم لم يشهد العراق مشروعاً جديداً، ولو لذرّ الرماد في العيون، لأن هنالك أغطية أخرى يلتحفون بها، فالعمائم التي يزيد طول الواحدة منها على عشرة أمتار تكفي لتغطية الفاسد، مهما كان طوله وعرضه.
إن قصّة الفساد العراقي شبيهة إلى حد كبير بقصة الفساد الأوربي أيام العصور المظلمة، حيث كان التحالف الثلاثي، السلطة والكنيسة ورجال الأعمال (الإقطاع)، فحينما يزداد ضغط الإقطاعيين على الفلّاحين والعمال المساكين، يتململ هؤلاء بالشكوى، فتقمعهم سريعاً أجهزة السلطة، فإن لم تكفِ، جاءت الكنيسة لتهددهم بغضب الله ولعنته الدائمة على كل من يحاول أن يغيّر مقادير الله في الرزق، فثروة الأغنياء جزء من الابتلاء الإلهي للفقراء، ولو كانت من دمائهم وعرق جبينهم، وسياط السلطة جزء من التأديب الإلهي لعامة الناس بعد أن تكثر ذنوبهم، ومن هنا يكون طريق الخلاص -بحسب الكنيسة- واضحاً لا غبار عليه، الرجوع إلى الله، والازدحام في الكنائس والمناسبات الدينية، فإن جرّب الناس كل هذا ولم يفلحوا، فالشك -بحسب الكنيسة أيضاً- يرجع دائماً إلى النوايا، ومستوى الإخلاص الباطني، وهكذا يقتنع المساكين أخيراً بهذه المقولات، ليستنتجوا أنهم لو كانوا صادقين مع الله لنجاهم الله، فالذنب إذاً ذنبهم، وليس ذنب السلطة ولا الإقطاع!
إنه في مثل هذه الأحوال، لا بد من ثورة ثقافية كبرى تطيح بالأفكار الفاسدة في عقول الناس، والتي صنعت هي هذه الأصنام، وصنعت لها هذه المهابة في قلوبهم، قبل أن يتنادوا لتمزيق صور الوزراء والبرلمانيين الفاسدين.