ماكرون يعلن حالة طوارئ اقتصادية واجتماعية بالبلاد   العراق وظاهرة الاٍرهاب ...قصة لابد لها من نهاية ...   نائبان: ترامب قد يكون أول رئيس أمريكي يواجه إمكانية السجن   إيكونوميست: لهذا قررت قطر الخروج من منظمة أوبك   نظام الأسد يتهم التحالف الدولي بقصف مواقعه..   شباب البصرة يحرِّكون الشارع مجدّداً.. وشركات النفط لم تلتزم بعقود التعيين   عشرات الإصابات باعتداء قوات الاحتلال على المتظاهرين بغزة   وشهد شاهد من أهلها   اقتصاد تركيا ينمو بـ1.6 بالمئة في الربع الثالث من 2018   9 أهداف سجلها ميسي تبدو مستحيلة   علماء بريطانيون يطورون فيروس معدلا وراثيا يقتل خلايا السرطان   الفخاريّات.. مهنة تصارع التقدّم التكنولوجي في العراق   انتهى الوزن الذي نعرفه.. علماء يعيدون تعريف الكيلوغرام   مسؤول بريطاني يشيد بحقوق الإنسان في عهد الصحابة   بكت وزيرة الثقافة والرياضة الاسرائيلية  
مقالات مختارة

ما الذي ستحمله الأيام المقبلة لمتظاهري العراق

هيفاء زنكنة / القدس العربي

في الاسبوع الأخير، وصلت التظاهرات التي بدأت بشكل عفوي في مدينة البصرة، جنوب العراق، إلى بغداد، مرورا بكربلاء والنجف والديوانية والسماوة وبابل. وعلى الرغم من ان المظاهرات والاعتصامات، خاصة، بساحة التحرير، ليست غريبة على العاصمة التي تبنتها منذ عام 2011، بشكل دوري، تزامنا مع انتفاضات الدول العربية، الا ان انتقالها هذه المرة، بهذا الحجم، من انحاء اخرى من العراق إلى العاصمة يثير الانتباه. حيث شحنت مشاعرالغضب طاقة من كانوا مثابرين على الاحتجاج ضد الفساد، منذ سنوات، واصابتهم خيبة الامل من هيمنة الاحزاب على الحركة المدنية التي انطلقت، مستقلة، ثم تحولت إلى ورقة للمساومة على حساب الشباب الذين عرضوا حياتهم للتهديد والاعتداءات والخطف والقتل. 
تم تفريق المتظاهرين، يوم الجمعة، ببغداد، بخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع، حين حاولوا الاقتراب من «المنطقة الخضراء»، المحصنة إلى حد التقديس، أكثر من الاماكن الدينية المقدسة، لأنها تضم أكبر سفارة أمريكية بالعالم، وفي ظلها يقبع مسؤولو الحكومة العراقية وأعضاء البرلمان. أوفياء لمن يمدهم بالحماية من غضب الشعب. ومن يصغي إلى اصوات المشاركين بالتظاهرات سيعرف مدى ما تحمله المواطنون جراء فساد وفشل الاحزاب السياسية الحاكمة في تقديم أي شيء للمواطن خلال الخمسة عشر عاما المنصرمة، وان الاحتجاج على انقطاع الكهرباء والماء، المتفاقم، في قيظ تموز/ يوليو، هو فعل تأخر طويلا. المفارقة، اليوم، هي اتهام المتظاهرين المطالبين بأبسط الحقوق بأنهم «اعداء العراق» من ذوي «النوايا الخبيثة بعد أن اغاظهم النصر الكبير الذي حققته قواتنا الامنية البطلة في حربها ضد الإرهاب وأذنابه» حسب بيان لمركز الاعلام الامني. أما اطلاق الرصاص وقتل المتظاهرين، فانه «معلومات كاذبة وملفقة تصر بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي على نشرها»!
يتركز رد فعل الحكومة ورؤساء الاحزاب والميليشيات والمرجعية الدينية، على احتواء ما يسمونه «الأزمة» بأسلوبين. الاول هو الادعاء أنهم يحترمون حق الاحتجاج، الا أنهم ضد مشاركة « المندسين، الإرهابيين، التخريبيين، الداعشيين، البعثيين». وحين نتذكر ان قانون الإرهاب يشمل 44 تهمة، سندرك خطورة هذه الاتهامات وكونها تشرعن للحكومة والميليشيات ضرب واعتقال وقتل المتظاهرين، وتوفر للمرجعية ذريعة عدم اتخاذ موقف واضح من إرهاب الحكومة. 
الاسلوب الثاني هو اطلاق متحدثي الحكومة التصريح تلو التصريح حول «الاستجابة بشكل آني إلى قسم من المطالب» وتبرير ان القسم الآخر «يحتاج إلى وقت وتخصيصات مالية طائلة». ويأتي التأكيد الحكومي الرسمي بكليشيهات جاهزة مفادها: «وضع آليات عمل» و«امتلاكها برنامجا كاملا للنهوض بالواقع الخدمي للبلاد» و«تشكيل لجان حكومية لحل الاشكاليات» و« رسم مسار استراتيجي وتخصيصات مالية ستطلق لذلك». مما يجعلنا نتساءل: ترى لماذا لم تقم الحكومة بكل ذلك، خلال 13 عاما الاخيرة، قبل ان يدفع المواطنون حياتهم ثمنا؟ وهل يلام المواطن حين يصم أذنيه رافضا الاصغاء لوعود يعرف جيدا انها مجرد أكاذيب من حكومة فاشلة لا تزيد امكانية مسؤوليها، متمثلة برئيس الوزراء حيدر العبادي، القيادي بحزب الدعوة الاسلامي، على اطلاق فقاعات هوائية، باتت رائحتها تزكم الانوف؟ هل يلام المواطن اذا ما اراد التخلص من احزاب انحدرت به إلى جحيم الفاقة وامتهان الكرامة وتفتيت البلد إلى كانتونات طائفية تحكمها ميليشيات مستوردة ؟ كيف يتعامل المواطن مع حكومة يقول متحدثها الرسمي ان الحكومة تطالب المتظاهرين بالاحتجاج «وفق الأطر الدستورية بعيداً عن الخروقات»، بينما يرى وزراء الحكومة ومسؤولوها، كلهم بلا استثناء، وهم يسرقون، وينهبون، ويرتشون، ويأخذون العمولات، ويمولون الميليشيات، ويتنفسون الفساد بكافة انواعه، حسب مئات التقارير والاحصائيات المحلية والدولية، وحسب اعترافاتهم ضد بعضهم البعض؟ أم ان هذه الافعال تتم وفقا للدستور؟
لقد وصل عدد ضحايا الاحتجاجات، حتى يوم أمس، 13 قتيلا ومئات الجرحى. وأصدرت منظمة « العفو الدولية» بيانا أكدت فيه قيام القوات الحكومية باستخدام الذخيرة الحية في تفريق التظاهرات، وقتل متظاهرين سلميين بالإضافة إلى تنفيذها حملة اعتقالات تعسفية وممارسة عمليات تعذيب جسدي ضدهم. أثناء ذلك، عمدت الحكومة إلى قطع الانترنت لمنع انتشار اللقطات المصورة التي تظهر قمع السلطات للتظاهرات السلمية. وهو تعتيم متعمد منح القوات الحكومية تفويضا مطلقا لقمع المتظاهرين السلميين دون علم أحد.
دعت المنظمة السلطات العراقية «إلى وضع حد فوري لعمليات التعذيب، وإجراء تحقيق محايد لتقديم المسؤولين عن هذه الأفعال إلى المحاكمة». وهو ما لن تقوم به الحكومة اطلاقا، فالمعروف ايمان ساستها بضرورة التعذيب وان المعتقلين يستحقون ما يصيبهم، بضمنه القتل، لأنهم «إرهابيون». 
فما الذي ستحمله الايام المقبلة؟ تدل المؤشرات على ان الاحزاب الحاكمة وميليشياتها المسلحة المأجورة لن تتخلى بسهولة عن غنائم الفساد، وولائها الخارجي، وان اعلانها نية الاصلاح والقضاء على الفساد يعني، بالواقع، القضاء على نفسها. كما تذكرنا الاتهامات الموجهة ضد المتظاهرين بفترة الاعداد للقضاء على تظاهرات واعتصامات الفلوجة السلمية التي استمرت طوال عام 2013 وحتى اواخر 2014، فأمر نوري المالكي، رئيس الوزراء وأمين عام حزب «الدعوة الاسلامي»، بقصف الفلوجة بالبراميل المتفجرة وراجمات الصواريخ، وطائرات «سوخوي»، بحيث أجبر القصف العشوائي الأهالي على دفن قتلاهم في الحدائق والساحات القريبة منهم، ولم تستثن عمليات القصف المساجد والمستشفى الوحيد في الفلوجة الذي تم استهدافه 24 مرة. تجاوز، حينها، عدد الضحايا 700 قتيل وأكثر من 2350 جريحا، حسب الأرقام الرسمية، لمستشفى الفلوجة العام. 
المفارقة هي ان تهمة الإرهاب والداعشية التي وجهت إلى اهل الفلوجة والموصل وبقية المتظاهرين عام 2013، هي ذات التهمة الموجهة إلى متظاهري البصرة وكربلاء والنجف والسماوة والناصرية، اليوم. فهل سيكون مصير تظاهرات هذه المدن كالسابقات؟ الأرجح لا. فمساومات المحاصصة حول تشكيل الحكومة الجديدة، بعد مهزلة الانتخابات، وتدخل المرجعية الدينية وسفح الوعود بالأطنان، وحرباوية موقف مقتدى الصدر، رئيس التيار الصدري، بالإضافة إلى الترويع والاعتقالات والتعذيب، سيعيد المتظاهرين إلى بيوتهم، ويمد الفاسدين القدامى ـ الجدد بالحياة بضعة أشهر أخرى، لا غير.