إطلاق صواريخ على قاعدة عراقية تستضيف قوات أمريكية قرب بغداد   حرائق حقول الحنطة ...ملف حساس بحاجة إلى إدارة حكيمة   سلطات الانقلاب ترفض دفن مرسي بمقابر عائلته   غازيتا: هل اكتملت سيناريوهات التحضير لغزو إيران   نشاط إيراني كثيف جنوب سوريا.. وتغلغل لـ"مليشياتها"   بدء الترشح لرئاسة إقليم كردستان ونيجيرفان البارزاني يتصدر   هجوم على مسجد في ألمانيا دون وقوع أضرار بشرية   خطاب مفتوح إلى ملك السعودية   بدء أعمال "المنتدى الاقتصادي العالمي" بالبحر الميت   بعد ريال مدريد.. رونالدو يزور العراق   كشف علمي يفتح الباب أمام إعادة تجديد خلايا الجسم   لمناسبة اليوم العالمي للّغة العربيّة ..اتحاد الأدباء يُناقش التحدّيات المعاصرة التي تواجه لغتنا   ما هو تأثير قضاء سنة كاملة في الفضاء على جسم الإنسان   قصة إسلام جندي أمريكي أراد أن يفجر مسجدا   بدل أن يكون الجيش صمام أمان  
مقالات مختارة

استهداف تركيا كذلك عبر قتل خاشقجي

ياسين اكتاي/ Yeni Safak 

كلما ظهرت تفاصيل أكثر حول واقعة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي اتضح أكثر أن شخص خاشقجي لم يكن هو الهدف الوحيد من هذه الجريمة. فلا شك أن الصحافي المعارض كان له أفكار وتوجهات أغضبت قتلته، كما أنه كان يتمتع بالنشاط والمهارة التي يمكن أن تقود المعارضة السعودية فكريا وتلعب دورا محوريا في كيان محتمل تقيمه.

يمكن أن نعتبر أن هذه النقاط تمثل أسبابا كافية لقتله. بيد أن تطورا حدث ونفذ بشكل جزئي خلال عملية القتل يجعلنا نفكر بأن هذا المخطط استهدف – في الوقت نفسه – تركيا، بل يثير تساؤلات حول أن ضرب تركيا ربما يكون هو الهدف الأساسي والأهم من التخلص من خاشقجي.

هذا التطور هو الاستعانة ببديل ليحل محل خاشقجي ويمثل خروجه من القنصلية. فهذا البديل هو مصطفى محمد المدني الذي وصل فجر يوم الواقعة إلى إسطنبول على متن طائرة خاصة بعدما اختير من الرياض بشكل خاص لتكون هيئته الجسمانية مماثلة لهيئة خاشقجي.

لقد كان الدور الوحيد الذي لعبه المدني ضمن فريق الاغتيال المكون من 15 شخصا هو ارتداء ملابس خاشقجي والخروج في وقت محدد أمام عدسات كاميرات المراقبة والذهاب إلى منطقة السلطان أحمد في إسطنبول والاختفاء داخل حمام عمومي دخله هناك. وقد حسبوا جيدا ألا يلفت الانتباه عند خروجه من الحمام من خلال اصطحابه ملابسه الشخصية معه.

ولقد نفذوا هذا المخطط كذلك. فلو كانت الأحداث قد تطورت بشكل مختلف، أي لو لم يكشف النقاب عن هذه الخدعة الكبرى، لكنا اليوم نتابع سيناريوهات حول أن خاشقجي، الذي كان العالم سيبحث عنه اليوم، اختفى داخل حمام عمومي في منطقة السلطان أحمد، وبالتالي فهناك احتمال أن يكون قد اختطف من هناك.

ولا ليكون لديكم شك، فالدور الذي كان سيقع على عاتق السعودية في سيناريو كهذا البحث في عاقبة مواطنيها المثقفين المشهورين عالميا ومحاسبة تركيا على اختفائهم. ما كان سيكون هناك أي أثر للجثة، لكن يمكنكم أن تتوقعوا الرسالة التي كانت ستوصلها واقعة اختفاء مواطن سعودي بحجم خاشقجي، واحتمالية أن يكون قد اختطف ولم يعرف عاقبته، إلى المثقفين والمستثمرين من مختلف الدول الإسلامية، بل حتى المواطنين العاديين، الذين يعقدون الكثير من الآمال على تركيا.

ويمكنكم أن تكونوا متأكدين من أنهم أعدوا منذ وقت بعيد الرسائل المتعلقة بـ"تركيا بصفتها دولة آمنة" من أجل توزيعها بين جحافل المرتزقة الذي يعملون تحت إمرتهم في مقابل رواتب شهرية.

ولكانت تركيا قد اضطرت للدفاع عن نفسها في ظل هذه الوضعية المخزية بعد فشلها في حماية هذه الشخصية الكبيرة المشهورة عالميا بعدما توارت عن الأنظار داخل حمام عمومي على أراضيها.

لم يختاروا منطقة السلطان أحمد كآخر نقطة يظهر بها خاشقجي قبل اختفائه من قبيل الصدفة. فهذه المنطقة هي أهم رمز لإسطنبول حول العالم، فلا يمكن لسائح أن يقول إنه زار إسطنبول دون أن يمر بهذه المنطقة.

ولو كانت الأمور قد سرت كما خططوا لها فهل كانت الخطة لتنجح؟ بطبيعة الحال كانت تركيا ستقوم بالكثير من الجهود لإثبات عكس ذلك، لكن حتى تنجح في إثبات براءتها لكانت الظنون قد حامت حولها، بل قد وصلت إلى أعمق نقطة بها.

ولنكرر ونقول إن الشيء الوحيد الذي فشلوا في حسابه، حسب المعطيات التي بين أيدينا، هو عدم إدراكهم أن خطيبة خاشقجي كانت تنتظره بالخارج. بل إنها، أي السيدة خديجة، عندما كشفت عن تواجدها عندما سألت المسؤولين الأمنيين بالقنصلية عن خطيبها في وقت مبكر، حتى قبل أن تقرر أنه آن أوان الاتصال ببعض الأشخاص لاطلاعهم على ما حدث، دب الرعب داخل القنصلية أو في بيت القنصل وبدأ المتورطون في الجريمة منذ ذلك الوقت الشعور بارتباك شديد.

كما نفهم من هذا التطور أنهم لم تكن لديهم أي خطة بديلة في حالة انكشاف أمرهم، بل إنهم خططوا لكل شيء على أساس أنه سيسر كما أرادوا.

ولقد صار من الواضح أن هذا المخطط كان يرمي لشيء أبعد من القضاء على خاشقجي.. وإذا باشرنا التحقيق من خلال واقعة الشخص البديل، سنكشف عن أن ما فعل كان هجوما يستهدف تركيا. ولهذا السبب تحديدا فأنقرة لا تتحمل فقط المسؤولية الإنسانية إزاء هذه الجريمة، بل عليها في الوقت نفسه – محاسبة المسؤولين عن اغتيال مريب أريد به استهدافها هي أيضا.

أسئلة مجنونة في عقل كيليتشدار أوغلو

يتابع العالم أجمع بتقدير وإعجاب كبيرين الطريقة التي تتعامل بها تركيا مع جريمة اغتيال خاشقجي. وفي الواقع فإن الإدارة الرائعة، ولا أجد كلمة أخرى لوصفها، للرئيس أردوغان لهذه الأزمة التي تعتبر مرشحة لتشكل أزمة دولية بكل ما تحمل الكلمة من معان، تمثل مثالا يحتذى به بالنسبة للعالم بأسره، هذا في حين نجد السيد كمال كيليتشدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري، يتخذ موقفا معارضا فقط من أجل المعارضة، وهو ما يتابعه الجميع باستغراب شديد.

فلقد وصلنا إلى مرحلة نريد أن نقول له فيها "لا تفعل هذا على الأقل في هذا المقام". لكن الرجل عاجز عن السيطرة على نفسه ليقوم بما تمليه عليه طبائعه حتى في هذا الموقف العصيب. فهو يفعل أشياء تقدم الدعم للجناة، بل حتى أنه يفتح الباب أمام مناقشة معلومات ثبتت بشكل قاطع حول الجريمة ليوفر مادة خصبة لأبواق الجناة.

هذا فضلا عن أنه يطرح الكثير من الأسئلة التافهة المتتالية التي لا يسألها لكي يعلم حقا شيئا يريد معرفته.

كنت سأقول إن تنميق الكلام التافه لا يضفي أي أهمية عليه، لكني ما كنت أن أضيع التعارض الذي كشف عنه هو من وجهة نظره ذاكرا اسمي. ذلك أن سؤاله هذا، في أفضل الأحوال، يكشف جيدا عن أن إعدادات الزمان والمكان التي في عقله قد فسدت.

إنه يسأل كيف لم يلق القبض على الجناة واستطاعوا الهرب من إسطنبول جوا بعد ساعة منذ إبلاغي لكل الجهات المعنية بما حدث بعد مكالمة هاتفية تلقيتها من السيدة خديجة بعد الساعة 4:41 عصرا. ومتى يطرح هذا السؤال؟ بعدما تأكد أن هؤلاء الأشخاص هم مرتكبو الجريمة التي وقعت قبل هذا الكشف باثنين وعشرين يوما. وهل يمكن التوصل إلى أن هؤلاء الأشخاص هم الجناة خلال تلك الساعة؟ بالطبع لا. هل تم التوصل إلى أن خاشقجي قد قتل؟ بالطبع لا. هل تم التوصل إلى أن هؤلاء الأشخاص على صلة باختفاء خاشقجي؟ بالطبع لا. إذن، بأي حجة يمكن القبض على وفد دبلوماسي استنادا إلى معلومات تم الحصول عليها خلال نصف ساعة؟

ربما تكون إعدادات الزمان داخل عقل كيليتشدار أوغلو ترى أن هذا ممكن، لكن يبدو أنه عاجز عن التفكير في أن المعلومات التي حصل عليها بعد 20 يوما من الواقعة لم تكن متاحة وقت وقوعها.

ويمكن القول إن تركيا كانت يمكن أن تتخذ تدابير إزاء احتمالية تهريب خاشقجي عبر المطار بعدما تم التوصل لهذه الفرضية في بادئ الأمر. فهل اتخذت السلطات التركية هذه التدابير؟ نعم. بل حتى إن مشاهد خروج الجناة المصورة عرضت على شاشات التلفاز. فحقائبهم وأنفسهم تم تفتيشهم بالأيدي والأجهزة الإلكترونية. لم يكن خاشقجي بينهم، كما لم يكونوا يحملون حقيبة أو طردا يمكن أن يكونوا قد وضعوا فيه أجزاء جثته بعد تقطعيها. وفيما عادا ذلك فلا يبقى أمام السيد كيليتشدار أوغلو شيء سوى الاعتراض على كل شيء تقوم به الحكومة التركية.