إطلاق صواريخ على قاعدة عراقية تستضيف قوات أمريكية قرب بغداد   حرائق حقول الحنطة ...ملف حساس بحاجة إلى إدارة حكيمة   سلطات الانقلاب ترفض دفن مرسي بمقابر عائلته   غازيتا: هل اكتملت سيناريوهات التحضير لغزو إيران   نشاط إيراني كثيف جنوب سوريا.. وتغلغل لـ"مليشياتها"   بدء الترشح لرئاسة إقليم كردستان ونيجيرفان البارزاني يتصدر   هجوم على مسجد في ألمانيا دون وقوع أضرار بشرية   خطاب مفتوح إلى ملك السعودية   بدء أعمال "المنتدى الاقتصادي العالمي" بالبحر الميت   بعد ريال مدريد.. رونالدو يزور العراق   كشف علمي يفتح الباب أمام إعادة تجديد خلايا الجسم   لمناسبة اليوم العالمي للّغة العربيّة ..اتحاد الأدباء يُناقش التحدّيات المعاصرة التي تواجه لغتنا   ما هو تأثير قضاء سنة كاملة في الفضاء على جسم الإنسان   قصة إسلام جندي أمريكي أراد أن يفجر مسجدا   بدل أن يكون الجيش صمام أمان  
مقالات مختارة

وجه بغداد تجعّده النفايات

د. باهرة الشيخلي

بغداد كانت الأجمل دائما في كل الأزمنة والعهود، إلى أن جاءت حملة الظلام الأميركية تجرّ عربة المستوطنين الذين أثبتوا أنهم أعداء الحياة والجمال والأنوار، والذين أقاموا منذ الأيام الأولى في ما سمّوه “المنطقة الخضراء”، كمسؤولين لأغراض السياسة والسياحة والسلابة.

وإذ زرت في الماضي عواصم أوروبية كثيرة فإني لم أكن أشعر بالحسد تجاهها فليس فيها أكثر مما في بغداد، ولكني الآن أحسدها حين تراجعت بغداد إلى ما قبل العهد العثماني، على سوئه، وتجعّد وجه العاصمة الجميل بآلاف الأطنان من النفايات، التي تفوق قدرة أمانة بغداد على رفعها، فأصبحت بلاد الرشيد موبوءة تنشر الأمراض بين سكانها.

خذوا نعيم عبعوب مثالا، فقد تمكن من الضحك على شعب العراق كله وهو صاحب الصخرة العتيدة، التي ذهبت مثلا بين العراقيين، والذي وصف أكثر المدن تقدما وجمالا بأنها “زرق ورق” مقارنة ببغداد، يعيش الآن متنعّما بما سلبه في أرقى عواصم الدنيا، فيينا، فيما يعيش من سبقه أميناً لبغداد سمير الشيخلي، الذي قفزت بغداد في عهده إلى مصاف العواصم المتقدمة، في شقة ضيقة في العاصمة الأردنية عمان، عيشة الكفاف أو أقل. ذلك سلب بغداد ليعيش وعائلته متنعمين، وهذا أنفق كل ما لبغداد على بغداد لأنه كان أميناً لبغداد بحق.

كل المسؤولين المتعاقبين على السلطة، منذ 2003، جاؤوا يحملون حقدا مرضيا على البلد الجميل، فاختزلوا عمره بعبارة “العراق الجديد” وأسقطوا عشرة آلاف سنة من عمره المديد. والجديد هو انقطاع الكهرباء وتلوث الماء بمياه المجاري وظهور جبال القمامة، التي أغرقت بغداد وغيّبت تمثال شاعرها معروف الرصافي.

بغداد تخلّف يوميا أكثر من 11 ألف طن من النفايات، فيما تطمر كوادر أمانة بغداد 7000 طن يوميا طمرا صحيا، كما تؤكد أمانة بغداد نفسها، وذلك يعني أن نحو 4000 آلاف طن يجري طمرها يوميا بصفة غير صحية وفي مناطق عشوائية دون إشراف من كوادر الأمانة أو دوائرها، أو تبقى في أماكنها.

مجلس محافظة بغداد يتّهم إدارة ملف النفايات في العاصمة بغداد بأنها ضعيفة وروتينية وبحاجة إلى التطوير، ويخلص إلى ضرورة إحالة هذا الملف للاستثمار على غرار الدول المجاورة، مع ما يتهدد هذا الموضوع في العراق من فساد، وعين المجلس على منظمات دولية كالأمم المتحدة، عسى أن تقدم إلى بغداد منحاً لتنفيذ مشروع معملين لتدوير النفايات في جانبي العاصمة، الكرخ والرصافة، وكأن بلاد النفط والخيرات الغنية عاجزة عن تنفيذ هذين المشروعين، منذ صارت تدعى “العراق الجديد”.

يرى أكاديميون عراقيون أن التلكؤ في معالجة ملف النفايات أمر يثير المخاوف البيئية والصحية، خصوصا مع السعي إلى إعادة تشغيل المعامل الحكومية المتوقفة والتي ستزيد من حجم النفايات، محذرين من أضرار بيئية كبيرة قد تؤدي إليها تلك المخلفات والنفايات.

تقارير دولية صدرت، مؤخرا، أكدت أن العراق احتل المرتبة الأولى في التلوث البيئي وانعدام النظافة، وعزت الجهات المسؤولة سبب ذلك إلى الأزمة المالية وقلة التخصيصات التي أثّرت على عمل الدوائر الخدمية ورفع النفايات في العاصمة.

في حين يرى محللون اقتصاديون أن ما هو موجود في بغداد من أكوام للنفايات يكفي لتشغيل يد عاملة كثيرة ويحد من مسألة البطالة المتفشية، لكن الجهات المختصة بدلا من الاستفادة من هذه النفايات، فإنها تدفع بها إلى أماكن هي غير مخصصة لها، ما يؤدي إلى مشاكل بيئية ومرضية خطيرة تصيب من هم قربها.

ولو توفرت الإرادة لدى أي حكومة تشكلت في العراق منذ سنة 2003 لتحولت هذه النفايات من أزمة إلى حلول لأزمات، وهناك تجارب عالمية يمكن الاستفادة منها كتجربة ستوكهولم، التي أصبحت تستورد كميات كبيرة من النفايات لغرض الاستفادة منها وتصنعيها حسب آليات ومعايير قياسية يضعها مهندسون ومتخصصون.

وبسبب جبال النفايات، تعد البيئة العراقية الحالية أفضل مكان لنمو مختلف الأوبئة والأمراض لعدم وجود روادع صحية ومعالجات علمية للحد من التلوث، ويحذر أطباء من أن العراقيين معرّضون للإصابة بالتهابات في العيون والتهابات جلدية ومشاكل وسرطانات مختلفة.

إن البغداديين يصفون مدينتهم الآن بأنها مكبّ نفايات، بعد أن كانت من أجمل مدن الدنيا في سبعينات القرن الماضي.