إطلاق صواريخ على قاعدة عراقية تستضيف قوات أمريكية قرب بغداد   حرائق حقول الحنطة ...ملف حساس بحاجة إلى إدارة حكيمة   سلطات الانقلاب ترفض دفن مرسي بمقابر عائلته   غازيتا: هل اكتملت سيناريوهات التحضير لغزو إيران   نشاط إيراني كثيف جنوب سوريا.. وتغلغل لـ"مليشياتها"   بدء الترشح لرئاسة إقليم كردستان ونيجيرفان البارزاني يتصدر   هجوم على مسجد في ألمانيا دون وقوع أضرار بشرية   خطاب مفتوح إلى ملك السعودية   بدء أعمال "المنتدى الاقتصادي العالمي" بالبحر الميت   بعد ريال مدريد.. رونالدو يزور العراق   كشف علمي يفتح الباب أمام إعادة تجديد خلايا الجسم   لمناسبة اليوم العالمي للّغة العربيّة ..اتحاد الأدباء يُناقش التحدّيات المعاصرة التي تواجه لغتنا   ما هو تأثير قضاء سنة كاملة في الفضاء على جسم الإنسان   قصة إسلام جندي أمريكي أراد أن يفجر مسجدا   بدل أن يكون الجيش صمام أمان  
مقالات مختارة

تحليل سيكوبولتك لأغرب ظاهرة سياسية في تاريخ العراق

د. قاسم حسين صالح / المدى
من عام( 2003 لغاية 2019 ) يعيش العراق أغرب ظاهرة سياسية ما حدثت في تاريخه باختلاف أنظمة حكمه.
ولأن من عادتي أن استطلع الرأي في مثل هذه القضايا، فأنني توجهت بهذا التساؤل عبر وسائل التواصل الاجتماعي:
( منذ 15 سنة والسياسيون يتقاضون رواتب وامتيازات ما حصلت بتاريخ العراق والعالم. الفاسدون منهم تحولوا من فقراء الى أصحاب مليارات.. هم يزدادون ثراءً والشعب يزداد فقراً، ومع ذلك هم باقون فيما التاريخ يكتب عن العراقيين بأنهم ما انبطحوا لظالم ولا استسلموا لسلطة. أفيدونا بتفسير علمي يرحمكم الله).
ساهم في الإجابة على الاستطلاع (357) بينهم أكاديميون ومثقفون وإعلاميون.. لحضراتكم ما شخصوه من أسباب مصنفة ومرتبة بحسب اهميتها عندهم.
أولا: الشعب العراقي.....
ثانياً: الدين والمذهب......
ثالثا: طبيعة السلطة و أنظمة الحكم.....
رابعاً: تخطيط خارجي.........
استنتاج
توحي الإجابات بأن أسباب أغرب ظاهرة سياسية يشهدها العراق في تاريخه.. متعددة، مركبة، معقدة، شمولية، وفيها مفارقات تخالف المنطق وغير معقولة. وما يعنينا هنا هو التحليل السيكولوجي.. نلخصه بأربع قضايا،
الأولى: تثبت الأحداث أن تاريخ السلطة في العراق هو تاريخ العنف والدم وقطع رؤوس الخصوم منذ أن تحولت الى وراثية عام 61 هجرية، وإنها اعتمدت السيف لحلّ النزاعات واجبار من يخالفها على الطاعة والخضوع، وانها كانت على مدى أكثر من ألف وثلاثمائة سنة لا تلجأ الى التفاوض والحوار إلا بعد أن تقطف السيوف رؤوس أفضل من في القوم.
وحديثاً تعمق الشعور بأن السلطة في العراق تكون للأقوى بدءا من انقلاب بكر صدقي عام ( 1936) الذي يعدّ اول من فتح الطريق نحو انقلابات عسكرية امتلك قادتها شعوراً وطنياً، مصحوباً بفقر في نضجهم السياسي ودوغماتية لا تطيق الرأي الآخر. ولم تفهم أن السياسة تعني فن إدارة شؤون الناس بل إنها غنيمة وعلى الحاكم أن يعتمد شعار (الأقربون أولى..) وإن كانوا لا يفهمون.. ما يعني أن العراقيين معبؤون سيكولوجياً في لا شعورهم الجمعي بان السلطة تكون للأقوى وأن يعض عليها بأسنانه ويقطف رأس من ينافسه عليها وإن كان على حق.
الثانية: يختلف المجتمع العراقي عن المجتمعات الأخرى بأنه شعب منتج لأصناف متضادة من البشر بمواصفات عالية الجودة. فنحن منتجون لمبدعين ومفكرين وشعراء ورجال دين وشيوخ عشائر من طراز رفيع.. وبالمقابل نحن منتجون لطغاة وقتلة ورعاع وغوغاء بمواصفات " عالية الجودة". ونحن منتجون لمن يفلقون رؤوسهم بالحراب فداء لمن ماتوا قبل ألف سنة، ومنتجون لمعتقدين عن يقين بأن تاريخهم مزوّر وأسود ومعرقل للتقدم يجب غلق غلافه الأخير. ونحن منتجون لمن يعرفون بالغيرة العراقية والأنفة، ومنتجون أيضا لناهبين من طراز رذيل ، ولا أرذل من سلوك ينهب الناس فيه وطنهم. والمحصلة السيكولوجية لها هو ضعف او انعدام الشعور بالانتماء للوطن، والتعلّق بالانتماء الذي يؤمن للفرد بقاءه الوجودي ومصلحته الشخصية.
الثالثة: يغيض جيران العراق أن يروه مستقراً سياسياً وأمنياً وفيه نظام ديمقراطي يعتمد مبدأ العدالة في توزيع الثروة واستثمارها، ويعز على أغلبهم أن يروا العراقي المميز بالذكاء والشخصية مرفها مادياً، وادراكهم أن العراقيين اذا توحدوا فانهم سيجعلون من العراق وطناً مزدهراً بعمارات ومطارات وجامعات ومصانع.. بين جبال وأهوار وأنهار ونخيل وأرض خضراء كأنها الجنة، ويجعلون من بغداد مركزا للثقافة والإبداع وقبلة أنظار العالم.
الرابعة: قيام تشكيلة مجلس الحكم على ثنائيتين سيكولوجيتين: المظلومون مقابل الظالمين، عراقيو الخارج مقابل عراقيّ الداخل.. نجم عن الأولى ( ثقافة المظلومية ) شاعت بين الشيعة والكرد مقابل( ثقافة الاجتثاث ) استهدفت من كان محسوبا" على النظام السابق وغالبيتهم من السّنة، بمعادل نفسي يقوم على سيكولوجية " الضحية " و " الجلاّد " تجسّدت بانتقام الضحية بـ" اجثتات " أقرب الى الثأر الجاهلي دفع بـها " الضحية " الى التعبير بانفعالية في تضخيم ما أصابها من ظلم، وشرعنة الاقتصاص حتى ممن كان محسوبا" بصفة أو عنوان على الجلاّد.
إن تفاعل هذه المتغيرات هي التي أوصلت العراقيين الى أن يعيشوا أغرب ظاهرة سياسية في تاريخهم، بمفارقات إنهم ينتخبون فاسدين وفاشلين سياسياً، أشاعوا الفساد بطريقة هرأت الضمير الوطني والاخلاقي عند من صار ولاؤه لحزب أو طائفة أو قومية، نجم عنها سيكولوجيا الأسقاط بتحويل سبب ما يحصل الى (أن العراقيين ما تصير لهم جاره، السلطة تمتلك القوة والمال، مليشيات، تدخل خارجي..) لتوصل الكثير من الوطنيين والمثقفين والمنتمين صدقاً للعراق الى التيئيس من إصلاح الحال، الذي كان يحصل بانقلاب عسكري أو بثورة شعبية تم تعطيلهما لأن النظام ديمقراطي.
إن علم النفس والاجتماع السياسي يفيدنا بحقيقة(إن المراحل التاريخية لا يمكن حرقها)..وإن ما يمر به العراق الجديد من عام (2002) تحتاج مرحلة التغيير فيه الى جيل.. وكنّا توقعنا في مقالة موثقة نشرت عام 2014 بأن التغيير سيبدأ في 2022،وسيحصل بالتأكيد..(اذا ما صار شي!).