سفير يمني: الإمارات تجاوزت خطر إيران ولم نكن نتوقع ذلك   فوضى العراق وادعاء الصدقية والمصداقية في محاربة الفساد..... رأي في قضية (حجي حمزة )   أردوغان يتجه لموسكو للقاء بوتين بعد تصعيد النظام بسوريا   إندبندنت: مسلم أوقف مجزرة في النرويج يتحول لبطل   أنقرة: جنودنا لن يغادروا نقطة المراقبة في ريف حماة الشمالي   طائرة مسيرة مجهولة تقصف معسكرا للحشد وسط العراق   أستراليا تمنع لاجئا إيرانيا من استلام جائزة وطنية في الأدب   كشمير المسلمة والإرهاب الهندوسي   رسوم صينية جديدة ضد واشنطن.. وتجار أمريكا يرفضون أمر ترامب   العراق يضرب موعدا مع البحرين بنهائي غرب آسيا   في أثناء موجات الحر.. المروحة تسبب لك الضرر أكثر من النفع   جدل في السعودية بعد قرار بإلغاء دور تحفيظ القرآن   روبوتات تركية الصنع ترشد مسافري مطار إسطنبول   في ثاني أيام العيد.. الحجاج يواصلون رمي الجمرات   بدل أن يكون الجيش صمام أمان  
مقالات مختارة

محمد باقر الصدر يُحرّم الانتماء إلى حزب الدعوة

هارون محمد
عجز حزب الدعوة (الإسلامية) عن تقديم دليل واحد يُثبت أن رجل الدين الشيعي البارز محمد باقر الصدر، قد انتمى إليه أو كان قائداً له، وكل ما تناقله قادته السابقون والحاليون من ارتباطات وعلاقات له بالحزب، مجرد ادعاءات وأقاويل ومسموعات، لا سند لها ولا شاهد عليها.
وواضح أن حزب الدعوة، وهو يسعى الى ربط الصدر به، وعدّه زعيماً له أو مرجعه الأعلى، فإنه ينطلق من اعتبارات سياسية واجتماعية أبرزها: استغلال اسم الصدر كعالم حوزوي وباحث إسلامي، بالإضافة إلى أنه يُحسب على السياسيين، بعد مشاركته في معركة المرجع الشيعي الأعلى محسن الحكيم ضد الحزب الشيوعي العراقي وتحريم الانتماء إليه كون (الشيوعية كفر وإلحاد)، كما جاء في الفتوى الشهيرة، التي أصدرها الحكيم في 12 شباط (فبراير) 1960، يضاف إلى ذلك أن الصدر تصدى للأفكار والمفاهيم الشيوعية، عبر نشر مقالات في الصحيفة القومية واسعة الانتشار (الحرية) لصاحبها المرحوم المحامي قاسم حمودي، يُظهر فيها مساويء الاقتصاد الشيوعي في المجتمعات العربية والإسلامية، ويندد بمقولات لينين عن الدين والحياة وانحيازه إلى الطبقة العاملة (البروليتاريا) على حساب الطبقات والفئات الاجتماعية الأخرى، وقد جُمعت تلك المقالات عقب نشرها في الصحيفة المذكورة، وصدرت في كتابين يحملان اسمي (اقتصادنا) و(فلسفتنا) وقد أسهم المعسكر القومي من بعثيين وقوميين عرب واستقلاليين، في الترويج للكتابين نكاية بالشيوعيين، الذين أسفروا عن عدائهم للوحدة العربية وهاجموا الرئيس جمال عبدالناصر.
ومثلما حاول حزب الدعوة استغلال اسم الصدر، فإنه سعى، أيضاً، إلى التقرب لآية الله محسن الحكيم، عبر استقطاب ولديه مهدي الحكيم ومحمد باقر الحكيم، ودعوتهما إلى المشاركة في الاجتماعات التمهيدية لإشهار الحزب، غير أن الحكيم الأب، الذي عُرف برفضه الشديد لوجود أحزاب دينية سياسية في الساحة الشيعية، أجهض العملية وهي في طور المناقشات، عندما طلب من ولديه مهدي ومحمد باقر ومريده الصدر الانسحاب من مشاورات تأسيسه.
وقد يكون صحيحاً ما تذكره أدبيات حزب الدعوة ونشراته لاحقاً، بأن المرجع الحكيم كان يخشى ظهور حزب سياسي، شيعي الإطار والنزعة والاهداف، اعتقاداً منه أن بروز أي حزب شيعي، في تلك المرحلة، من شأنه التأثير سلباً على مرجعيته ومركزها الديني في النجف، لذلك طلب من مهدي ومحمد باقر والصدر، تجنب الانضمام إلى الحزب، غير أن محمد باقر الحكيم، الذي كان من أوائل المتحمسين لإنشاء حزب الدعوة، ينفي ذلك ويقول: إن مرجعية والده، في تلك السنوات، ويعني بها (عقد الستينات) كانت أكبر من أن يؤثر بها أو عليها (حزب محدود في حجمه وإمكانياته)، في حين يرى باحث مستشرق مثل توماس ليبمان في كتابه (جماعات الإسلام السياسي)، ترجمة رفعت أحمد، أن مراجع الشيعة يستنكفون من الأحزاب دائماً، ويأنفون من العمل السياسي، الذي قد تتعارض بعض سياقاته أو شعاراته أو أهدافه مع الشريعة.
ثم أن المرجع الحكيم كان موالياً لشاه ايران محمد رضا يهلوي المعروف بتصديه الحازم للأحزاب السياسية، ونشاطات الجماعات الإسلامية، ومحاولاتها التدخل في شؤون الدولة، لذلك جاء موقفه منسجماً مع سياسات الشاه، خصوصاً وأن الأخير، هو صاحب الفضل الأكبر في اختيار محسن الحكيم مرجعاً أعلى للشيعة ونقل مقر المرجعية الشيعية إلى النجف، فقد كان تقليداً شاهنشاهياً أن يبعث الشاه برقية تعزية بوفاة المرجع الراحل إلى المرجع المرّشح ليشغل مكانه، ولكن عند وفاة المرجع الشيعي الأعلى آية الله العظمى حسين بروجردي في قم العام 1953، تجاوز الشاه محمد رضا بهلوي مراجع إيران، وبعث ببرقية عزاء إلى الحكيم وأبي القاسم الخوئي في النجف، في خطوة وصفها وزير البلاط الإيراني السابق أسد الله علم، في مذكراته، بأنها إيذان بمباشرة الشاه لخطته في تنفيذ مشاريعه الإصلاحية، واستباقاً لمعارضة المراجع لها، وتنفيذاً لرغبته في نقل المرجعية الشيعية العليا إلى النجف بدلاً من قم ومشهد.
ولهذا السبب لم يكن السيد الحكيم مرتاحاً لإقدام الرئيس الراحل عبدالسلام عارف على الإيعاز لحكومته، وكانت  برئاسة الفريق طاهر يحيى رحمه الله، باستقبال رجل الدين الإيراني روح الله الموسوي الخميني، من منفاه التركي في نيسان 1964، والسماح له بالإقامة في النجف وتقديم الدعم والمساندة له، وهذه قضية أخرى سنتناولها في قابل الأيام.
وعموماً فإن الصدر وهو من مريدي الحكيم ومن تلامذة نائبه أبي القاسم الخوئي، ظل على موقفه من الأحزاب بما يتطابق مع رأيهما، واستمر على هذا النهج، عقب وفاة الحكيم في حزيران 1970، وتولي الخوئي صدارة المرجعية في النجف، ويقول محمد باقر الحكيم في كتابه (النظرة السياسية عند الشهيد الصدر) المطبوع في طهران في العام 1985، لقد حصلت شبهة شرعية لدى الصدر، تزامنت أو سبقت طلب الإمام الحكيم منه الانسحاب من حزب الدعوة، وكان مدارها الشك في آية (الشورى) على الحكم الإسلامي، الذي صاغ أسسه بالاستناد إليها، وقد انسحب ذلك الشك على العمل الحزبي، الذي كان يرى فيه أنْ لا معنى له، إلا إذا كان يتضمن تصوراً كاملاً عن نظرية الحكم الإسلامي، وتساءل يومها ـ كما يقول محمد باقر الحكيم ـ كيف يمكن إيجاد تنظيم يسعى إلى الحكم الإسلامي كهدف أساس، من دون أن يكون هذا الهدف واضح المعالم؟
ويقول الحكيم، أيضاً، أن الصدر كان يؤكد ضرورة الفصل بين المرجعية، والتنظيمات الحزبية، لأنه مقتنع أن المرجعية الصالحة هي القيادة الحقيقية للأمة، وليس الحزب، الذي يجب أن يكون ذراعاً  من أذرع المرجعية وتحت أوامرها.
وعلى هذا الاساس، استمر الصدر يتبنى هذا المنهج (الفصل بين المرجعية والأحزاب)، الأمر الذي رفضه حزب الدعوة، وأزاء ذلك دعا الصدر طلابه المنتمين إلى الحزب، وخيرّهم بين الاستمرار في حزبيتهم مقابل الانقطاع عن حضور دروسه، وبين ترك الحزب والانصراف الكامل إلى الدراسة، وقد التزم أغلب الطلاب الدعويين وغادروا محاضرات الصدر، وبقي معه الطلاب غير الحزبيين، ولكنه صُعق عندما جاءه أحد طلابه الإيرانيين، ممن بقوا معه، في نهاية تموز 1974، وطلب منه العفو، لأنه كذب عليه، فقد بقي قيادياً في الحزب، مع استمراره في التلمذة على يديه، واعترف له أن أجهزة الأمن تطارده، الآن، بعد أن اعترف عليه (أخوانه) في الحزب، وأنه مضطر إلى الهرب والعودة إلى بلاده، ومما زاد من فجيعة الصدر، أن هذا الطالب، الذي أخفى حزبيته عنه، كان من ألمع طلبته وأكثرهم اجتهاداً، وهو (كاظم الحائري )!
وأزاء ذلك طلب الصدر من أحد أتباعه، وهو حسين هادي الصدر، إمام حسينية التميمي في مدخل الكرادة الشرقية (رخيتة) أن يسأله، على عادة رجال الدين، عن رأيه في انتماء طلبة الحوزات والعلوم الدينية إلى الأحزاب الإسلامية، والمقصود بها حزب الدعوة، حيث لم تكن هناك أحزاب شيعية غيره في العراق، فجاء الجواب على نحو فتوى فقهية نصها: (لا يجوز انتماء طلاب العلوم الدينية إلى الأحزاب الإسلامية، لأن وظيفة طالب العلم هي التبليغ والإرشاد على الطريقة المألوفة بين العلماء) صدرت بتاريخ العاشر من شعبان 1394 هجرية، الموافق في السابع من آب 1974.