خطة بايدين للأمريكيين العرب: 6 عناوين رئيسية   الكاظمي في واشنطن للقاء الرئيس ترامب   {البنتاغون} يوافق على تعويض إسرائيل عن بيع «إف 35» للإمارات   NYT: الحرب على الطاقة في المتوسط لن تنفع أحدا   انفجار عبوة قرب احدى خيام ساحة الحبوبي في ذي قار   محتجون يغلقون مصفاة وشركة نفطية جنوب العراق   العراق: محاولات لتمرير قانون "جرائم المعلوماتية" رغم الخلافات الحادة حول بعض فقراته   يعرف كل شيء، يهيمن على كل شيء   قفزة غير متوقعة لمعدل التضخم في بريطانيا خلال يوليو   مفاجأة غير سارة للتونسي المجبري في اليونايتد   «الصحة العالمية» تحذّر من عواقب «اللقاحات المنزلية»   عشوائيات العراق... تَعَدٍّ على أراض أثرية يغير معالم سامرّاء   غوغل" تطلق نظام إنذار بالهزات الأرضية للهواتف   الأفوكادو في غزة... زراعة ناشئة تشق الصعاب   ملكة جمال عراقية تلتقط صورة مع رئيس الموساد الإسرائيلي  
مقالات مختارة

الانتفاضة العراقية.. الدوافع والمآلات

عبد الوهاب القصاب / العربي الجديد
أدركت جماهير واسعة من شباب العراق، وأغلبهم من الوسط الشيعي الذي كان مؤازراً وداعماً للسلطة السياسية التي تهيمن عليها أحزاب الإسلام السياسي الشيعي طيلة ستة عشر عاماً عجافاً، بعد أن فقد ثقته بهذه الأحزاب وطريقة إدارتها البلد، وما تمخض عنها من فساد إداري ومالي ونهب منظم لمالية العراق وثرواته، وما صاحب ذلك من نفوذ إيراني واسع النطاق، تضمن حتى تحويلات مالية كبيرة، وسحبا من احتياطات العراق النفطية من حقول نفطية مشتركة أو عراقية خالصة في وقت يعاني شباب العراق من العوز والبطالة والضياع. 
لعل من المفيد بيانه، أن العراق بعد أن فقد استقلاله نتيجة الغزو الأميركي للعراق واحتلاله، ضاع في مسلسل لا متناهٍ من العنف والعنف المضاد. وقد نتج عن اعتراف الأمم المتحدة بأن العراق بلد محتل في قرار مجلس الأمن الدولي المرقم 1483/2003 انطلاق حركة مقاومة واسعة في مناطق وسط العراق وغربه وشمال غربه ونواحي كركوك ذات الأغلبية السنية، في حين تماهت القوى السياسية الشيعية مع الاحتلال، في مسعىً واضحٍ للاستحواذ على الحكم، وهو ما تم لها، وأطلق يدها في الاستحواذ على ثروات العراق وماليته، حيث هنالك علامات استفهام واسعة عن مصير حوالي 700 مليار دولار تسربت من البنك المركزي العراقي بأغطية تحيط بها الشكوك.
غياب الوعي
شهدنا بين العامين 2006 - 2009 تصاعد المد الطائفي في العراق إلى حدوده القصوى، بعد تدمير ضريحي الإمامين علي الهادي والحسن العسكري، وهما الإمامان العاشر والحادي عشر للشيعة الإمامية الإثني عشرية، وقد اتهمت منظمة القاعدة الإرهابية بالمسؤولية، ما أطلق حملة ثأر دموية ضد السنة العرب في بغداد على يد جيش المهدي الذي يأتمر بأمر رجل الدين الشيعي المثير للجدل، مقتدى الصدر، ولكن الحكومة لم تعلن نتائج التحقيق، ولم توجه اتهاماً رسمياً لمنفذين، ما يعني أن التحقيق لم يوجه أصابع الاتهام إلى "القاعدة"، وهو ما أثبتته التحقيقات الأميركية التي لم تشأ هي الأخرى إعلان نتائجها التي لو كانت قد أعلنت لمال مسلسل العنف الطائفي في العراق إلى التلاشي، لأسباب تتعلق بمصالح الولايات المتحدة المحتلة للعراق آنذاك. ولكن القائد العام الأميركي في العراق، الجنرال كيسي، صرّح، أخيرا في المؤتمر السنوي لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية  

المعارضة، إن نظام ملالي طهران، هو من نشر الفوضى في العراق، وإنهم ألقوا القبض على عنصرين من أتباع نظام طهران عام 2006 (عام تفجير المرقدين في سامراء) ومعهم خريطة تفصيلية بالأماكن الحيوية التي سيتم استهدافها لتوسيع نفوذها وترسيخه في العراق.
بعد أن أعلن الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، انسحاب القوات الأميركية من العراق في نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2011 قبل أن تؤمن الاستقرار في العراق، وتنقله، باعتبارها قوة احتلال مسؤولة أمام مجلس الأمنـ إلى دولة مدنية آمنة مستقرة. وبذلك فتحت الأبواب مشرعة دونما مقاومة للنفوذ الإيراني ليتوغل ويوغل في العراق. هنالك محطات مفصلية ساعدت هذا النفوذ ليتوغل ويرتهن العراق لصالحه أدرجها بما يلي:
1- انسحاب القوات الأميركية من العراق جعل المهمة الأمنية عن العراق من مسؤولية القوات المسلحة العراقية، وبذلك انفتح المجال لإيران وأذرعها بالتدخل واسع النطاق في الشأن العراقي.
2- انكفأ الدور الأمني للولايات المتحدة إلى مجرد جهد للبقاء في العراق وبموافقة الحكومة العراقية بعلاقة تحددها اتفاقية أمنية (SOFA)، تتجدد كل سنة، ما يعني نظرياً أن بإمكان الحكومة العراقية الطلب إلى الولايات المتحدة الانسحاب النهائي من العراق، لو شاء الإيرانيون الذين أضحى بيدهم القرار على ما يبدو.
3- ساعد تسلم شخصية ذات ميول طائفية متطرّفة منصب رئيس الوزراء، وهو الحاكم الذي يمسك بيده الإدارة التنفيذية للعراق، وبضمنها القوات الأمنية، على تنامي الخيار الطائفي (الشيعي) ممثلاً بأحزاب الإسلام السياسي الشيعية التي حظيت طوال هذه الفترة بمباركة المرجعية.
4- ساعد انسحاب القوات العراقية بأمر من رئيس الوزراء، نوري المالكي، من الموصل، بعد هجوم بضع مئات من متطرفي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وإرهابييه، على تغول مسلحي هذا التنظيم ومطاردتهم القوات العراقية إلى أبواب بغداد وسيطرة التنظيم في فترة وجيزة على ما لا يقل عن ثلث مساحة العراق.
5- قاد إصدار المرجع الشيعي الأكبر آية الله السيستاني بفرض ما سمي الجهاد الكفائي إلى تشكيل ما سميت قوات الحشد الشعبي الذي استغلته المليشيات الإيرانية العاملة في العراق لإضفاء شرعية على وجودها في العراق.
6- بسبب فشل القوات المسلحة ومعها الحشد الشعبي المشكل بموجب الفتوى المذكورة اضطرت حكومة المالكي إلى طلب الاستعانة بالقوات الأميركية لإسناد عمليات القضاء على "داعش"؟ وبهذا تأسس التحالف الدولي للقضاء على "داعش"، وعاد الوجود العسكري الأميركي بدور قتالي على الساحة نفسها التي تقاتل بها المليشيات المدعومة من إيران، والتي تقاتل تحت مسمى الحشد الشعبي، وبدأ يتردد على الأسماع اسم قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني، الذي وجد، مع ضباطه وقواته في الساحة نفسها، على الرغم من عداء الولايات المتحدة له ولقواته. 
7- تغولت مليشيا الحشد الشعبي، وأغلبها مدعومة من فيلق القدس الإيراني، وأسهمت مع "داعش" بتدمير "المدن السنية" بذريعة تحريرها من "داعش"، فضلاً عن تشريد أهلها، ما أثر كثيراً على الوضع الديموغرافي في المنطقة.
ومن حيث الأساس، من المفيد الإشارة إلى انتفاضة المحافظات (السنية): الأنبار وصلاح الدين وديالى والموصل وكركوك وحزام محافظة بغداد ومدن وبلدات شمال محافظة بابل عام بين  ديسمبر/ كانون الأول 2012 وعلى مدى عام حتى ديسمبر/ كانون الأول 2013، والتي رفعت مطالب هي عين المطالب التي يرفعها شباب اليوم، والتي كانت فعلاً مترفعة عن الشعارات الطائفية ومطالبة بإزالة الطائفية السياسية من الممارسة السياسية الجارية.
دامت هذه الانتفاضة قرابة عام، اشترك فيها الملايين، ولم يكن هنالك أي وجود لقوى  

متطرّفة سياسية أو طائفية. يتذكر الجميع شعارين، رفعهما رئيس الوزراء، نوري المالكي، في حينه هما "انتهوا قبل أن تنهواْ"، والآخر الذي بيّن فيه أن هنالك معسكران، هما معسكر الحسين الذي يضمه وأتباعه، ومعسكر يزيد الذي يضم الآخرين، قاصداً المنتفضين من المحافظات السنية، ومهدداً باجتياح الاعتصامات، وهو ما فعله. وأسفرت هجمات قواته عن مجازر في الحويجة والموصل والفلوجة والرمادي ومدن أخرى راح فيها عشرات من الضحايا.
تمخضت عن إجراءات نوري المالكي حركات مريبة، نتج عنها فرار أعداد من إرهابيي "داعش" من سجن أبي غريب قرب بغداد، وقد اتهم وزير العدل في حكومة المالكي أطرافاً في حكومته بتسهيل هروبهم، وهم الذين شكلوا فيما بعد نواة "داعش" في المنطقة الغربية، كما شكل هروب عشرات من سجن بادوش شمالي الموصل بطريقة مريبة هي الأخرى، تبعها إلقاء جيش السلطة السلاح وهروبه من أمام هجوم مئات من الإرهابيين على الموصل في يونيو/ حزيران 2014 سقوط المنطقتين، الغربية والشمالية الغربية، بيد "داعش" بطريقة مريبة تشير أكثر الجهات حيادية إلى دور لرئيس الوزراء نوري المالكي فيه
وقد استرعى السقوط المريع للموصل التي كانت ممسوكةً بقوات كبيرة مسلحة بأرقى أنواع التسليح بيد حفنة من الداعشيين الذين هربوا من سجن بادوش لتوهم انتباه مراقبين عديدين أجانب، وأشار إليها مراقبون ومحللون عديديون باستغراب.
على الرغم من عدم تعاطف قطاع واسع من المجتمع الشيعي في العراق مع انتفاضة تلك المحافظات، بتأثير الدعاية ذات السمة الطائفية التي تنشرها أحزاب السلطة السياسية من الأحزاب الشيعية الماسكة السلطة، مدعومة من خطاب المرجعية الذي يشير موارباً إلى أهمية دعم هذه الأحزاب، باعتباره دعماً للمذهب، إلا أن بوادر تبرم من ضيق الخطاب الطائفي الذي صاحبه فشل ذريع في تحسين نوعية الحياة في العراق، قد بدأت بالظهور أولاً بين الجماعات المثقفة اليسارية في المجتمع (الشيعي) ثم تبعتها قطاعات واسعة من الشباب المحبطين. في هذه المرحلة، شكل الحشد الشعبي والمليشيات الإيرانية مصدر عيش لعشرات الألوف من الشباب الشيعة، ممن تم تجيشهم وعوائلهم، تأييداً للمشروع الإيراني العامل في العراق حتى من دون أن ينتبهوا لذلك.
عودة الوعي
تعد حقبة حكم رئيس الوزراء، نوري كامل المالكي، من المحطات السلبية في حياة المواطنين العراقيين، ذلك أنها لم تزد حالة الانشقاق السني الشيعي في العراق فحسب، بل جلبت الانشقاق والتكتل إلى داخل ما سمّي البيت الشيعي، وعلى مستويين، الأول بين حزب الدعوة الذي يقوده المالكي والتنظيمات أو المرجعيات الشيعية التي لا تدين له ولا لحزبه بالولاء، ومن هؤلاء جيش المهدي الذي خاض معارك عنيفة معه في البصرة ومدن أخرى، فضلاً عن مدينة الثورة (مدينة الصدر) في بغداد. وكذلك مع أتباع المجتهد السيد محمود الحسني الصرخي، حيث تعرض أتباعه لمجزرتين دمويتين، الأولى مجزرة الزركة في 28 يناير/ كانون الثاني 2007 قرب النجف، وهم بطريقهم للزيارة حيث قتل بها حوالي 263 بين رجال ونساء وأطفال كانوا في طريقهم لزيارة النجف. والمجزرة الثانية حصلت في الأول من يوليو/ تموز 2014 على يد قوات نوري المالكي الذي لم يستثنِ من معارضيه أحداً. حصلت المجزرة في كربلاء، وكانت تستهدف قتل المرجع الصرخي نفسه الذي يناهض المشروع الإيراني في العراق، كما يناهض مرجعية السيد السيستاني، وقد ذهب ضحية هذه المجزرة ما يقرب من 100 قتيل. أما المستوى الثاني فهو الاحتكاك الناشئ بين قيادات الأحزاب السياسية الشيعية التي بدأت ترفض تغوّل المالكي، وأجبرته على التخلي عن المطالبة بتشكيل الحكومة لدورة ثالثة، واستبدل بشخص آخر من حزبه هو حيدر العبادي الذي أنجز في وقته تحرير الموصل من "داعش".
في هذه المرحلة، بدأت إرهاصات رفض تصرفات الأحزاب السياسية الشيعية وهيمنتها على البلاد وماليتها وموازناتها والتصرف بها بأوجهٍ لا شرعية يشوبها الفساد الذي لم يعد خافياً على أحد، والذي احتل العراق بنتيجته موقع الدول الأكثر فساداً على الصعيد العالمي طوال السنوات الستة عشر المنصرمة حيث أتى بالمرتبة 168 من أصل 180 حسب تقرير منظمة الشفافية الدولية الأخير لعام 2019.
من حيث الأساس، تكرّرت على مدى السنوات المنصرمة سلسلة تظاهرات واعتصامات في بغداد والبصرة ومحافظات جنوبية أخرى، كان طابعها العام رفض ممارسات الحكومة وفشلها، والفساد  

الذي اتسم به أدائها، فضلاً عن فشلها في تأمين العيش الكريم لجماهيرها، وهي التي تشكل الحاضنة الرئيسية لأحزاب الإسلام السياسي الشيعية المرتبطة بإيران، ومعينها الانتخابي. ولكن هذه الاعتصامات، وفي بغداد خصوصا، هيمن عليها رجل الدين الشيعي المثير للجدل، مقتدى الصدر، حيث كان يأمر بفضّها على وفق تفاهمات تجري بينه وبين الأحزاب السياسية الشيعية، وربما بوساطة من قائد فيلق القدس الجنرال الإيراني، قاسم سليماني.
أما انتفاضة البصرة الكبرى في صيف عام 2018، والتي ضمت قطاعات واسعة من البصريين الذين انطلقوا مندّدين بالأحزاب السياسية الشيعية وفسادها وسوء إدارتها البلد، وقد صبوا غضبهم على هذه الأحزاب والمليشيات المرتبطة بها، بل وحتى على القنصلية الإيرانية التي هاجموها وحرقوها تعبيراً عن غضبهم من النفوذ الإيراني المتعاظم والمهيمن على البلد. وشهدت كربلاء ومدن جنوبية أخرى انتفاضات متوالية تعبيراً عن حالة الإدانة واليأس من إصلاح أحزاب الإسلام السياسي الشيعي للوضع والتفاتها لمصلحة البلد. ومن هنا، بدأت حالة من استعادة الوعي بالهوية الوطنية العراقية، والتي لوحظت آثارها واضحة في المؤشرات التالية:
1- تغير متصاعد في خطاب المرجعية الشيعية من مؤيد كامل إلى ناقد ثم موجه لأصابع الإدانة للوجوه المتنفذة في العملية السياسية الجارية، والتبرؤ من أفعالها.
2- مقاطعة واسعة النطاق للانتخابات البرلمانية، بحيث أن نسبة المشاركة الحقيقية لم تزد عن 18-20% على وفق مصادر محايدة عديدة، على الرغم من أن الأرقام الرسمية قد تحدثت عن مشاركة فاقت نسبة 40%. كما شهدت النتائج فشل أعداداً كبيرة من النواب المخضرمين لم يسجل معظمهم إلا عشرات الأصوات.
3- تزايد رفض اللون الطائفي بين الشباب العراقيين، والنأي بأنفسهم عن شعارات التجييش الطائفي التي تروّجها أحزاب سلطة الأحزاب السياسية الشيعية المتهمة بالفساد والإثراء غير المشروع.
4- رفض واضح للنفوذ الإيراني في العراق عبّر عن نفسه بمقالات صحفية وأحاديث تلفزيونية كثيراً ما كانت تصم هذا النفوذ بتأثيره السلبي على المنظومة القيمية العراقية ومخططه التدميري للشباب العراقي من ناحية تهريب المخدرات من إيران إلى العراق.
5- نتيجة ثورة الاتصال والتنوير المصاحب لها واليأس من إمكانية حدوث إصلاح حقيقي في البنية الشيعية الحاكمة، وكذلك في موقف المرجعية لجأت جماهير الشباب المصابة بالإحباط إلى شق عصا الطاعة على الجميع والخروج بنفسها من دون توجيه من قيادة ما إلا ما تشعر به من غضب بأنها قد تم استغفالها طوال الستة عشر عاماً المنصرمة. وإن من استغفلها هي الزمرة الحاكمة التي كانت هذه الجماهير وعوائلها تنتخبها في كل دورة انتخابية استجابة لطلب المرجعية المباشر أو الموحى به، أو وفاءً "للمذهب والطائفة"، والتي لم يجنِ الشباب منها شروى نقير.
انتفاضة أكتوبر
بدأ الشباب المحبط في مدينة الثورة (الصدر)، في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، انتفاضتهم ضد الفساد والبطالة وعدم إيفاء الحكومة لالتزاماتها ثم توسعت هذه الانتفاضة إلى ساحة التحرير في قلب بغداد، وبدأ شباب عديدون من مناطق أخرى يتوافدون إلى الساحة دعماً وتأييداً للمتظاهرين السلميين الذين لم يستخدموا سلاحاً ضد القوات الأمنية التي واجهتهم برد عنيف استخدم فيه الرصاص الحي الذي أودى بحياة مائة قتيل على الأقل وما يناهز ستة آلاف جريح. اتسم رد القوات الحكومية بالعنف المفرط الذي لم يكن له ما يبرّره. لكن إصرار ساسة المنطقة الخضراء، وهو تعبير يطلق على القوى السياسية الشيعية المهيمنة على السلطة في بغداد، على التمسك بالسلطة، ورفض أي صوت يرتفع احتجاجاً على تصرفاتها، جعل أربابها يلجؤون لرد حاسم وعنيف وقوي متصورين أنه سيوقف هذه الانتفاضة.
على إثر تصاعد الاحتجاجات من عنف الرد الحكومي، وتنصل رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، من مسؤولية قواته عن عمليات القتل الحاصلة، واتهامه من أسماهم "المندسون" بها، تم تشكيل هيئة تحقيقية برئاسة وزير التخطيط، للتحقيق وتحديد المسؤولين عن هذا القتل، إلا أن تقرير هيئة التحقيق جاء باهتاً لم ينجح في تسمية الجهة المسؤولة، والتي يظن إنها المليشيات الإيرانية كبدر والعصائب ومليشيا المالكي، ربما خشية أو امتثالا للتهديد.
ومن المفيد الإشارة إلى تطورين مهمين، حصلا في هذه الأثناء: انضمام محافظات الجنوب والوسط ذات الأغلبية الشيعية إلى الحراك والانتفاضة، وكانت  

محافظة ذي قار (الناصرية) السباقة ومعها البصرة وكربلاء والنجف والكوت والسماوة والديوانية. تصاعد مطالب المحتجين من مطالب حياتية إلى مطالب سياسية طالت رئيس الوزراء مطالبة باستقالته وهو أمر رفضه. وقد طالت التظاهرات النفوذ الإيراني مطالبة بخروجه من العراق.
هنالك سمات مهمة يمكن تحديدها كسمات تختلف فيها هذه الانتفاضة عن سابقاتها، يمكن إجمالها بما يلي:
أولا: بدأت هذه الانتفاضة في الوسط الشيعي الذي شاء شبابه أن يغادروا أيقونات كثيرة وسمت وسطهم، فعلى الرغم من أن الشهر الذي انطلقت به التظاهرات هو شهر حزن عند الشيعة حداداً على الإمام الحسين، إلا إننا لم نشهد أي رمز ديني يشير إلى هذه المناسبة، لا أعلام تعودنا رؤيتها ولا شعارات ولا غيرها.
2- غابت العمامة الشيعية التي جهدت في الحقبة المنصرمة للسيطرة على عقول الوسط الشيعي عن ساحات التظاهرات نهائياً، ولم تكن مرحباً بها.
3- على الرغم من أن السمة الغالبة للشباب المتظاهر هي انحداره الشيعي، إلا أن الهتاف ضد الطائفية كان الصوت الأعلى، بل رفعت لافتاتٍ تنعى الطائفية، وتعزي إيران بموتها في العراق.
4- كان لتصريحات المرشد الإيراني علي خامنئي الذي اتهم المنتفضين بأنهم مدفوعين من الولايات المتحدة وإسرائيل أثراً سلبياً مدوياً بين المتظاهرين، انعكست آثاره بتزايد مطالبة إيران برفع يدها عن العراق. وقد وصل الرفض إلى اجتياح سور القنصلية الإيرانية في كربلاء وإنزال العلم الإيراني، ورفع العلم العراقي بدلاً عنه. وقد انعكس اتهام الجهات الإيرانية للبعثيين والولايات المتحدة وإسرائيل بدعم الانتفاضة في مقالة لوكالة بارس الرسمية الإيرانية، ردّدت فيه المزاعم نفسها.
5- كان غياب المحافظات السنية عن الالتحاق بالتظاهرات، ليس نتيجة عدم تأييد بل خشية استغلال المليشيات الإيرانية لأية انتفاضة في المنطقة السنية، لتعزو الانتفاضة إلى "داعش" أو البعثيين أو غيرها من التهم الجاهزة التي تقود إلى التنكيل المضاعف في مدن المنطقة الغربية والشمالية الغربية من العراق التي يقطنها العرب السنة في العراق.
6- تصاعدت وتيرة المطالب التي انطلقت من ساحة التحرير في بغداد، ووجدت صداها في المحافظات المنتفضة الأخرى، بحيث بلغت مستوى يطالب بتعديل الدستور وحل البرلمان واستقالة الحكومة، وتولي حكومة إنقاذ للسلطة، تتولى ملاحقة الفاسدين، بتقديمهم للقضاء والإعداد لانتخابات جديدة لا يشترك فيها أيٌّ من وجوه العملية السياسية الحالية، وحل مفوضية الانتخابات وتشكيل مفوضية جديدة، لا تتمثل فيها الأحزاب الحاضرة، وإصدار قانون جديد للانتخابات وقانون جديد للأحزاب، يمنع تشكيل الأحزاب على أسس طائفية، ويصون الوجه المدني للدولة.
7- نأت المحافظات الكردية الثلاث بنفسها عن الانتفاضة، واتخذت موقفاً رسميا أعرب عنه رئيس الإقليم ورئيس وزرائه بتأييد المطالب التي رفعها المتظاهرون مع التمسّك بحكومة عبد المهدي، ورفض أي تعديل للدستور يمسّ بحقوق الإقليم، ملوحين باستخدام الحق الذي يضمن لثلاث محافظات إسقاط أي تعديل دستوري. ولكنه ومع أن نوعية الحياة في الإقليم الكردي، أفضل كثيراً من مثيلتها في بقية محافظات العراق، إلا أن كثيرين مما يشكو منه منتفضو الجنوب يعاني منه سكان الإقليم أيضاً كالفساد المستشري واحتكار السلطة والمحسوبية والجهوية والارتباطات المشبوهة، ما يعني أن احتمالات انتقال الاحتجاجات إلى محافظات الشمال العراقي لا يمكن نفيها.
المآلات
ما يجري في العراق حالياً أمر كان خارج التوقعات حتى وقت قريب، فلم يكن أحد ليتوقع هذا الخروج شبه الجماعي لشبابٍ غاضبين محبط من الطريقة التي يدير بها من انتخبوهم ممثلين لهم ولستة عشر عاما متوالية، والتي خلفت فساداً وخراباً في كل زاوية من زوايا الوطن. من الأمور المثيرة للانتباه أن ساحة التحرير قد أضحت الآن تضم شباباً غاضباً يمثل الطيف العراقي كله عرباً وكرداً وتركماناً. مسلمون شيعة وسنة ومسيحيون.
هنا إذن لدينا طيف ممثل للمجتمع العراقي بغالبية انتماءاته. وبهذا، فإن ما يطالبون به يمثل بحق وجهة النظر العراقية الصميمية والجديدة التي غادرت دعاوى متحجّرة متخلفة، حاولت منذ الغزو الأميركي والتسلط الإيراني على العراق قولبة المجتمع العراقي بالصيغة التفتيتية التي هدفت إليها لإحكام سيطرتها على العراق بغرض تحقيق الحلم الإيراني الإمبراطوري بالسيطرة على المشرق العربي حتى البحر المتوسط وباب المندب. جيوبوليتيكياً، يمثل العراق القلب بالنسبة لهذا المشروع الذي بشر به أساطين المشروع الإيراني الذين ما برحوا يقولون أنهم يسيطرون على أربعة عواصم عربية، وبغداد هي عاصمة إيران الجديدة. فيما يلي آفاقاً متوقعة للمآلات التي ستتخذها الحالة في هذه المنطقة الحيوية من العالم بافتراض نجاح الانتفاضة العراقية الراهنة:
• سنشهد إعادة انبعاث للهوية الوطنية العراقية الجامعة التي ستتغلب على الانتماءات الفرعية  

الثانوية الطائفية بشكل رئيسي، ثم الانتماءات الإثنية والمناطقية.

• سيشهد العراق تراجعاً بيناً لدور المؤسسة الدينية، وخصوصا مؤسسة المرجعية الشيعية.
• ستلتحق منطقة الإقليم الكردي ببقية المحافظات العراقية الرافضة للهيمنة على الحكم من جماعة محددة، وكذلك في رفض الفساد المنتشر والاستبداد.
• ستنشأ قيادات شابة من رحم الاحتجاجات سيكون لها رأي وازن في صياغة فلسفة الحكم وئكله في العراق في المستقبل، وسيتم التأكيد في الدستور الجديد الذي سيتم اقتراحه والاستفتاء عليه ضرورة عدم السماح بتشكيل أحزاب على أسس دينية أو طائفية أو عنصرية مثيرة للكراهية.
• سيشهد المستقبل المنظور نشوء حركة معارضة منتفضة في إيران، تودي بمؤسسة الحكم، ولو بعد حين.
• وفي كل الحالات، ستشكل نتائج الانتفاضة العراقية انهيار المشروع التوسعي الإيراني في المشرق العربي. وهكذا ستميل الأمور للحلحلة في لبنان التي انطلقت بالفعل فيها انتفاضة رافضة صيغة الحكم الطائفية الحالية وحزب الله. وفي اليمن، ستسهل كثيراً عملية الحوار الوطني وصولاً إلى صيغة حكم اتحادية ديمقراطية تحل الاحتكاكات الداخلية، وتقلل من الهيمنة لقطاع من المجتمع على قطاعات أخرى.
• سيشكل عودة العراق لانتمائه العربي دفع الأمور المحبطة في العمل العربي للتقدم والتطور.
• قد يصح نفس الشيء بالنسبة لسورية التي ستخرج من ربقة النفوذ الإيراني الذي ورط آل الأسد سورية به.
• ستشكل إعادة صياغة العلاقات العربية على نحو أكثر إيجابية عامل ضغط على إسرائيل للتحلي بواقعية أكثر في تعاملها مع القضية الفلسطينية وقضية العلاقات العربية.
• بعد انتهاء النفوذ الإيراني ستقل الحاجة لتحالف غربي تقوده الولايات المتحدة للوجود بكثافة في المنطقة، ما سيقلل من عوامل الاحتكاك كثيراً.
• سنتوقع نشوء نمط جديد من المنافسة الدولية على المنطقة، أقطابها الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية والصين والهند للاستفادة، وربما للهيمنة على ما توفره المنطقة العربية من مزايا وثروات. ولكن حل المشكلات العربية البينية قد يجعل للعرب نظرة أكثر واقعية وصرامة في التعامل مع مفردات العلاقات الدولية وتنافساتها.