واشنطن تتعهد بأكثر من 15 مليون دولار كمعونة طارئة للبنان   الوجع في بيروت ....والقلق في بغداد   وفد تركي رفيع المستوى إلى لبنان.. أردوغان: نقف بجانبه   وول ستريت جورنال: 10 مؤشرات لتعافي العراق تدريجيًا   احتجاجات بالعراق وغلق طرق بسببب أزمة الكهرباء   مخرجات فريق رئيس الجمهورية تثير حفيظة البرلمان المعطل   تغريدات إدانة المتسببين بقتل متظاهرين تغضب الدفاع: إحالة الضباط إلى الإمرة يفلتهم من العقاب   هل سيتحول الصراع السياسي على السلطه في العراق إلى صراع عسكري مسلح   الذهب والدولار يواصلان الارتفاع..   مانشستر سيتي يضم جناح فالنسيا إلى صفوفه   روسيا: تلقيح المواطنين من كورونا في أكتوبر.. وتعليق بريطاني   تأثير الإسلام في أوروبا.. شهادة باحث بريطاني   شركة يابانية ناشئة تطور قناعا ذكيا يترجم الكلام لـ8 لغات   الحجاج ينهون مناسكهم ويودعون "البيت العتيق"   المقاتل الشجاع النبيل الوطني المقدم الركن سلطان هاشم  
ادب وتراث

الأدب العربي في صدر الإسلام

أثر الإسلام في الحياة الأدبية

أحدث ظهور الإسلام تحولاً جذرياً في حياة الأمة العربية ونقلها من طور التجزئة القبلية إلى طور التوحد في إطار دولة عربية تدين بالإسلام وتتخذ القرآن الكريم مثلاً أعلى. وكان لابد لهذا الحدث العظيم من أن يعكس صداه القوي في الحياة الأدبية لهذه الأمة. شعراً ونثراً ومن الطبيعي أن النتاج الأدبي للأمة يتفاعل مع البيئة التي تظله ويخضع لمؤثراتها.

وحين تُرصد الظواهر الأدبية في صدر الإسلام يتبين بجلاء ما تركه الإسلام من بصمات واضحة في مسيرة الأدب عصرئذ وفي سماته وخصائصه. ومن أبرز آثاره ضمور فنون أدبية كانت مزدهرة في العصر الجاهلي وظهور فنون جديدة أو تطور فنون قديمة. فقد قضى الإسلام على سجع الكهان الذي كان مرتبطاً بالوثنية الجاهلية ونهي الخطباء عن محاكاة ذلك السجع في خطبهم، وظهر لون من الخطابة يستقي من ينابيع الإسلام. وأخذ الشعراء يعزفون عن النظم في الأغراض التي كانت حياة العرب في الجاهلية تدعو إليها. واتجهوا إلى أغراض دعت إليها البيئة الإسلامية كشعر الجهاد والفتوح والشعر الديني، وأصبح شعرهم يدور حول معان تتصل بالقيم والمثل الإسلامية. وقد أوجد الإسلام مبادئ خلقية تلائم تعاليمه وروحه فانعكست هذه المبادئ في النتاج الأدبي عصرئذ.

وقد راجت مقولة تذهب إلى أن الإسلام وقف من الشعر والشعراء موقفاً مناهضاً مثبطاً، استناداً إلى قوله تعالى: )والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون (الشعراء: 224-226). وتصحيحاً لهذه المقولة ينبغي التوضيح أن الشعراء الذين تناولتهم الآيات القرآنية إنما هم الشعراء الذين كانوا يحرضون على الفتنة، ويخوضون في الإفك والباطل، والذين كانوا يتصدون لهجاء الرسول عليه الصلاة والسلام والمسلمين، وليس المقصود الشعراء كافة، ولهذا استثنى تعالى الشعراء الذين لا تصدق عليهم الآيات السابقة بقوله بعدها: )إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعدما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون( (الشعراء 227). وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يميل إلى سماع الشعر الجيد، وكان يشجع حسان بن ثابت وشعراء الأنصار على مهاجاة شعراء المشركين، وكان يقول لحسان: «اهجهم وروح القدس معك»، فهو إذاً لم يدع إلى التخلي عن الشعر وإنما كان يقف موقفاً مناهضاً من الشعر الذي ينافي المبادئ والقيم الإسلامية، وقد أثر عنه حديث في إطراء الشعر وهو قوله عليه السلام: «إن من الشعر حكمة» (صحيح مسلم).

وكان للإسلام يد لا تنكر في ازدهار النثر الأدبي، ولاسيما الخطابة والترسل، فقد أصبحت الخطابة وسيلة لنشر الدين والوعظ وبيان مبادئ الإسلام والحض على الجهاد والدعوة إلى مكارم الأخلاق وبيان خطة الحكم، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام وخلفاؤه خطباء مفوهين، وكذلك كان جل عمالهم وقوادهم. وقد دعا قيام الدولة الإسلامية واتساع سلطانها إلى الاستعانة بالكتابة والكتاب، وكانت الكتابة محدودة الانتشار في العصر الجاهلي فاتسع لها المجال في صدر الإسلام وأقبلت الناشئة على تعلم الكتابة.

الفنون الأدبية في صدر الإسلام

ظل الشعر يتبوأ المنزلة الأولى في صدر الإسلام، شأنه في العصر الجاهلي، ولكن تطوراً جاداً ألمَّ به من حيث الأغراض والمعاني. فقد أوجد الإسلام أغراضاً جديدة كشعر الجهاد والفتوح والزهد والوعظ والشعر السياسي.

وتضاءل شأن طائفة من أغراض الشعر التي كانت سائدة في الجاهلية كالشعر القبلي القائم على العصبية القبلية والمتصل بالأيام والوقائع والمفاخرات والشعر المتصل بالغزو والغارات. فقد ألغى الإسلام دواعي الشعر القبلي حين وحد القبائل العربية في أمة واحدة، تسوس أمورها دولة واحدة، وانصرف شعراء الحواضر إلى أغراض تلائم بيئتهم المترفة فاتجهت طائفة منهم إلى الشعر الغزلي الذي بلغ الغاية من التألق والازدهار في عصر بني أمية، واتجهت طائفة أخرى إلى الشعر الديني والوعظي.

وإلى جانب الشعر أخذت الخطابة تثبت أقدامها لحاجة المسلمين إليها عصرئذ، وبدأت تسير في طريق النماء والنضج بشتى أنواعها وفي حين توارى سجع الكهان ظهرت مكانة الخطابة الدينية، فكان الرسول عليه الصلاة والسلام يخطب في المسلمين موضحاً لهم شؤون عقيدتهم. وجاء الخلفاء الراشدون بعده فساروا على نهجه، وكانوا يعظون المسلمين في خطبهم ويحضونهم على مكارم الأخلاق. وقد احتلت الخطابة الدينية المنابر وحلقات المساجد منذ ذلك العصر، وكثر الوعاظ والقصاص.

وفي الوقت عينه ظهرت الخطابة السياسية التي تدور حول شؤون الحكم وسياسة الرعية، واستخدمت أول الأمر فيما نشب من خلاف بين المسلمين حول الخلافة إثر وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، فكانت الخطب التي ألقيت في سقيفة بني ساعدة باكورة الخطب السياسية. وبعد مقتل عثمان وافتراق المسلمين إلى شيعتين إحداهما تناصر علياً والثانية تناصر معاوية بن أبي سفيان عظم شأن الخطابة السياسية، على أن هذه الخطابة لم تتألق وتزدهر إلا في العصر الأموي.

وإلى جانب هذين اللونين من ألوان الخطابة ظلت للخطابة الحفلية مكانتها، ولاسيما خطب الوفود، فإذا وفد قوم على الرسول عليه الصلاة والسلام أو على خلفائه من بعده أحضروا معهم خطباءهم ليتحدثوا بلسانهم ويفاخروا بهم.

وفن ثالث بدأ يحبو في عصر صدر الإسلام ويخطو خطواته الأولى في طريق النضج هو فن الترسل، فإن قيام الدولة الإسلامية استدعى وجود كتاب يوجهون الرسائل إلى العمال والقبائل في مختلف أقطار الدولة، فكان للرسول كتابه كما كان لخلفائه وولاتهم من بعده كتابهم. ومن الكتاب الذين استعان بهم الرسول عليه الصلاة والسلام لكتابة الوحي وكتابة الرسائل علي ابن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبان بن سعيد، وخالد بن سعيد، والعلاء بن الحضرمي، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت.

ومن الرسائل المهمة في تلك الحقبة رسالة عمر بن الخطاب التي أرسلها إلى أبي موسى الأشعري في بيان أحكام القضاء بين المسلمين.

خصائص الأدب في صدر الإسلام

لم يطرأ على الشعر كبير تغيير في صدر الإسلام من حيث أساليبه وطرائقه الفنية لأن الشعر فن يقوم على المحاكاة، فالشاعر يحتذي خطا أسلافه. وفي الغالب كان الشاعر يتتلمذ لشاعر مشهور فيكون راوية له ويأخذ عنه طريقته ويحاكيه في أسلوبه. فنجد مثلاً الحطيئة [ر] يقر بسيره على نهج زهير بن أبي سلمى [ر] والشعراء الذين كانوا يأخذون شعرهم بالتنقيح والتحكيك.

يضاف إلى ذلك أن الكثرة من شعراء صدر الإسلام كانوا من مخضرمي الجاهلية والإسلام، ومن هؤلاء الحطيئة وكعب بن زهير [ر] والخنساء [ر] وحسان بن ثابت [ر] وكعب بن مالك [ر] والعباس بن مرداس [ر] وأبو ذؤيب الهذلي [ر] وحميد بن ثور [ر] والشماخ بن ضرار [ر]. وهؤلاء الشعراء كان لهم أسلوبهم وطرائقهم المميزة منذ العصر الجاهلي، ولم يكن من اليسير أن يغيروا في ظل الإسلام هذه الأساليب، ومن هنا لا يجد الباحث فارقاً ذا شأن في الناحية الفنية بين شعرهم في الجاهلية وشعرهم في الإسلام.

والتطور الذي طرأ على شعرهم منذ الإسلام إنما يتجلى في المعاني والأغراض. فقد استحدثت أغراض جديدة وضمرت أغراض قديمة وأمد الإسلام هؤلاء الشعراء بزاد ثر من المعاني والأفكار. على أن أثر العقيدة الإسلامية لم يكن واحداً لدى هؤلاء، فمنهم من نفذت العقيدة الجديدة إلى أعماقهم فانعكست في معانيهم وأغراضهم، شأن حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة [ر] والعباس بن مرداس مثلاً ومنهم من كان أثرها ضئيلاً في نفوسهم ونتاجهم الشعري، شأن الحطيئة مثلاً. ومهما يكن من أمر فإن المعاني الإسلامية أثرت بدرجات متفاوتة في شعر صدر الإسلام.

أما النثر الأدبي في هذه الحقبة فكان أمره مختلفاً عن الشعر. فالنثر أكثر استجابة لدواعي التطور من الشعر، ومن هنا كان النثر الإسلامي أفضل تصويراً للحياة الإسلامية من الشعر، فضلاً عن أن القرآن الكريم كان معجزة بلاغية ألقت ظلالها على نتاج الخطباء والمرسلين فطبع بطابع إسلامي واضح القسمات، فكان النثر في هذه الحقبة إسلامياً، سواء في سماته الفنية أو في أغراضه ومعانيه. ومن أظهر الآثار الإسلامية في نثر تلك الحقبة حرص الخطباء على استهلال خطبهم بذكر اسم الله وحمده والصلاة على نبيه، وتضمين خطبهم بعضاً من آي القرآن، حتى لقد سموا الخطبة بتراء إن لم تبدأ بذكر اسم الله وحمده، وسموها شوهاء إن هي خلت من آي التنزيل. هذا إلى جانب الاستمداد من المعاني الإسلامية والقرآنية، ومحاكاة الأسلوب القرآني والاستعانة بالصور والأمثال القرآنية. وما وجد في الخطابة يصدق كذلك على الرسائل والنثر عامة إبان تلك الحقبة.

وقد حاول الخطباء وكتاب الرسائل تجنب بعض السمات التي عرفها النثر الجاهلي، والسجع خاصة، كراهة محاكاة سجع الكهان.

على أن النثر الأدبي ظل بوجه عام وفياً للأعراف المستمدة من الطريقة العربية المتوارثة من حيث إيثار الإيجاز في العبارة وتجنب التكلف والزهد في الزخرف والحلية اللفظية ووضوح المعاني وتوخي الجزالة والرصانة في الأسلوب.

 

أعلام الشعراء والخطباء في صدر الإسلام

حفل عصر صدر الإسلام بعدد وفر من الشعراء، جلهم من المخضرمين ومن أشهرهم: الحطيئة العبسي الذي أجاد فني المديح والهجاء، وحسان بن ثابت شاعر الرسول عليه الصلاة والسلام والمنافح عنه، وهو أول من تناول الشعر السياسي بمعناه الدقيق، والخنساء السلمية التي ظلت تبكي أخويها صخراً ومعاوية في الإسلام، صنيعها في الجاهلية، وأبو ذؤيب الهذلي الذي اشتهر بقصيدته العينية في رثاء بنيه، والشماخ ابن ضرار، وكان أوصف الشعراء للقوس وحمار الوحش، وكعب بن زهير صاحب قصيدة «بانت سعاد» في مديح الرسول عليه الصلاة والسلام، وكعب بن مالك الأنصاري الذي وقف إلى جانب رسول الله وناضل عنه بشعره، وعبد الله بن رواحة وكان كذلك من شعراء الأنصار الذين هاجوا شعراء المشركين وقد استشهد في وقعة مؤتة، وحميد بن ثور العامري، وكان من الشعراء الذين أجادوا الغزل، ومعن بن أوس المزني، وله أبيات جياد في صلة الرحم، والنابغة الجعدي، وقد ذكروا أنه عمر طويلاً وكان ممن جانب الخمرة وهجر الأوثان في الجاهلية، وعبدة ابن الطبيب التميمي الذي شارك في قتال الفرس أيام عمر بن الخطاب وله مرثية غاية في الجودة قالها في قيس بن عاصم المنقري، وعباس بن مرداس السلمي، وكان من فرسان بني سليم وشعرائهم المشهورين في الجاهلية والإسلام، والمخبل السعدي [ر] وقد عمر طويلاً وكان من شعراء الهجاء المبرزين، وأبو محجن الثقفي، وكان من المستهترين بشرب الخمرة المجيدين في وصفها، والحارث بن الطفيل الدوسي الأزدي وكان من فرسان قومه المشهورين، وأبو الطمحان القيني، وكان في الجاهلية فارساً صعلوكاً فلما أسلم لم تتشرب نفسه الإسلام.

وفي ميدان الخطابة كان الرسول عليه الصلاة والسلام أول خطباء هذه الحقبة وكذلك كان خلفاؤه من الخطباء المفوهين، ولاسيما علي بن أبي طالب الذي جمعت خطبه في كتاب «نهج البلاغة» وكذلك كان جل الولاة والقواد يجيدون الخطابة.

منقول عن موقع https://www.marefa.org/