استقالة محافظ الناصرية ومتظاهرون يستنجدون بعد سقوط 275 مصابا   قصف مطار أربيل... مضامين وتوقعات   الأمم المتحدة: نحو 12.4 مليون سوري لا يصل إليهم الغذاء بانتظام   الرياض ترفض استنتاجات تقرير CIA حول خاشقجي وتعتبرها مسيئة   اغتيال ناشط عراقي في الحراك الشعبي ببغداد   مقتل 5 من عناصر تنظيم الدولة بينهم قياديان شمالي العراق   "رايتس ووتش" تتهم قوة مدعومة إماراتيا بتعذيب صحفي باليمن   الصراع مع فرق الموت   الدولار يقفز قرب أعلى مستوى في 6 أشهر.. والذهب ينخفض   ريال مدريد والسيتي يعودان بنتيجة الفوز بدوري الأبطال   إعلان أمريكي رسمي عن الأعراض الجانبية للقاح "جونسون"   عشوائيات العراق... تَعَدٍّ على أراض أثرية يغير معالم سامرّاء   "سبيد ريسر".. طائرة أمريكية عالية التقنية قد يستخدمها الجيش   كم تكلفة برنامج تركيا للهبوط على سطح القمر بقدرات محلية   حفظ الله تعالى أمة الاسلام ورسالتها ورمز عزتها محمد صل الله عليه وسلم  
ادب وتراث

جنّية الحكايات

فضيلة الفاروق*

مع كل إصدار جديد للكاتبة والمترجمة العراقية لطفية الدليمي أشعر أني أتقدم في العمر بما يكفي لأكون متقاعدة تتابع مبدعة في مقتبل العمر لا تتوقف عن إبهار الوسط الأدبي بنتاجاتها النقدية والفكرية والمترجمة.

الدليمي امرأة استثنائية، ذاكرة للماضي، ومفكرة للمستقبل، شعلة لا تتوقف عن إضاءة كل ما حولها. وهي إن كان البعض يرى أنّها لا تختلف عن مفكرين ومبدعين كثر في العراق والعالم العربي، ولا يجب تمييزها عن غيرها فقد أخطأ، كون مسيرتها كامرأة مُختَرِقة وسطا ذكورياً شائكاً، معقداً اجتماعياً وسياسياً، ضاعف من الصعاب التي واجهتها، كما ضاعف من جهودها لتجاوزها.

وصدقا إعجابي بهذه السيدة يزيد مع كل إصدار جديد لها، فأنا أعيش تقلباتنا السياسية والحياتية اليومية، وأشعر بالعجز تماما عن مجاراتها في نشاطها واجتهادها، فلا أكاد أنهي قراءة كتاب لها، حتى أكتشف أن إصداراً جديداً لها نزل إلى المكتبات.

فأتساءل كيف بإمكانها أن تقلّص من الوقت المهدور في مواجهة حياتنا الصعبة، من عدم الشعور بالاستقرار، والأمان، والرّكض اليومي لتوفير لقمة العيش، وإنجاز أشغال البيت، وإيجاد وقت للكتابة؟ لا شك أنها "سوبر وومن"، وأن محرّكات دماغها مستوردة من كوكب آخر أكثر تطوراً، لتتوفر لديها هذه القدرة العجيبة لإيقاف عقارب ساعة العمر عند الرّقم السحري الذي لن يشير إلى الشيخوخة أبدا.

الدليمي مواليد 1939، تخطّت الرّقم سبعين من إنجازاتها الموزعة بين مسرح، ونقد، وقصة، ورواية، وأعمال مترجمة. آخر كتاب قرأته لها هو "عصيان الوصايا" صدر عن دار المدى (العراق)

في هذا الكتاب تروي لنا نوادر تاريخها الأدبي الخاص، التي نسجت حكايتها مع الكتابة، منذ كانت طفلة، سيرة لا تخرج عن كل ما غذى مفاهيمها للكتابة والأدب، قدمت مختصراً عن سيرتها العظيمة ومنجزها الضخم، وأنا متأكدة أن أموراً كثيرة بقيت دفينة ذاكرتها، وقد تكون تعمّدت إخفاءها من باب التواضع، فالمقربون منها يعرفون جيداً كم هي مترفعة عن استخدام لغة "الأنا" المغرورة والتباهي بتميزها.

درست البيانو على يد العازفة العراقية الشهيرة بياتريس أوهانيسيان ودرست الرسم دراسة حرة لدى الفنانين الراحلين خالد الجادر ونزيهة سليم، جرّبت الرسم قبل أن تنصرف كلية للكتابة فلم تجد نفسها فيه، أما الموسيقى فقد اكتفت منها بالسماع وعزف بعض الدندنات على البيانو..، وهذا ما يجعل منها مبدعة متكاملة، تغذت بكل الفنون قبل أن تختار الكتابة وتُخلِص لها. تقاطعات جميلة بين محطات حياتها وحياة مبدعين آخرين، سيرة ممتعة لكاتبة عصت الوصايا واقتحمت المحظور، لتصبح كاتبة.

في كتابها "عصيان الوصايا" وهو ليس الأخير، تمنيت - كما أغلب كتبها التي قرأتها - ألا ينتهي، فهذه الحكّاءة المحترفة لديها القدرة على ربطنا بكل الأزمنة، الماضي والحاضر والمستقبل، وتجعلنا كمن يجلس في شرفته، والعالم كله تحت عينيه.