تظاهرة أمام السفارة الفرنسية في بغداد تنديداً بتصريحات ماكرون   مذبحة في بلد... المسلسل لاينتهي والصبر ينفذ   انتحاري يفجر نفسه بعد ملاحقته جنوب تركيا.. أردوغان يعلق   نيويورك تايمز: عاملة تنظيف تفوز برئاسة بلدية روسية بالصدفة   ساحات التظاهر تكشف عن توجه لتطهير ميادين الاحتجاج من أتباع الأحزاب الفاسدة   قتلى بانفجار عبوة ناسفة بمحافظة نينوى شمال العراق   "تويتر" يعلق حساب المنظمة العربية لحقوق الإنسان ببريطانيا   قنبلة شيعية... إلى أين نحن ذاهبون   الليرة التركية تسجل أدنى مستوياتها بسبب مخاوف نقدية وجيوسياسية   تجديد عقد مبابي مع سان جيرمان يحظى بالأولوية عن نيمار   أطباء أصيبوا بالفيروس يشرحون الآثار طويلة المدى لكورونا   عشوائيات العراق... تَعَدٍّ على أراض أثرية يغير معالم سامرّاء   إنتاج أول مركبة قطرية ذاتية القيادة لتوصيل الطلبات   الأفوكادو في غزة... زراعة ناشئة تشق الصعاب   حفظ الله تعالى أمة الاسلام ورسالتها ورمز عزتها محمد صل الله عليه وسلم  
ادب وتراث

عشوائيات العراق... تَعَدٍّ على أراض أثرية يغير معالم سامرّاء

يخشى محمود خلف، قائم مقام قضاء سامراء في محافظة صلاح الدين (تقع شمال بغداد)، من وقوع اقتتال داخلي في المدينة بسبب النزاعات على أراض أثرية بالمنطقة العباسية وأخرى زراعية غربي المدينة، بالإضافة إلى استعانة مواطنين بعناصر من مليشيا سرايا السلام المسلحة التابعة لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، وخاصة أن المدينة التاريخية التي يشطرها نهر دجلة إلى نصفين وتضم شواهد أثرية عديدة، تشهد إهمالاً كبيراً على مستوى التخطيط العمراني والخدمات، وفقاً لخلف، الذي يتخوف من تأثير النزاع على مشروع سامراء عاصمة الحضارة الإسلامية، الهادف إلى إعادة تأهيل المدينة وإصلاح البنى التحتية فيها، وفق ما جاء في القرار المنشور بجريدة الوقائع العراقية في إبريل/ نيسان 2018، والذي ما زال مجمدا بسبب عدم صرف المخصصات المالية له.

ويعتبر خلف أن "وضع المدينة خاص ولا يحتمل أي نزاعات"، نتيجة الصراع الطائفي الذي تفجر في العراق عام 2006، عقب تفجير مرقد الإمامين العسكرييْن في المدينة متعددة المكونات، ولذلك يسعى بدوره إلى تقريب وجهات النظر حقنا للدماء بين الأطراف المتنازعة على أراض أثرية وزراعية مملوكة بالأصل للدولة، في المقاطعات 22 جبيرية، غرب المدينة، ومقاطعة 26 تل العليج، و25 عرموشية، إذ قدمت أطراف سندات تثبت أحقيتها بزراعتها والانتفاع بها، كما قدمت أطراف أخرى سندات تثبت شراءها لمساحات فيها عام 2019، وكلّ طرف منها يسعى للبناء في حصته. مؤكداً ، أن على المشترين الحصول على جميع الموافقات الرسمية من الجهات المسؤولة عن الأرض قبل البدء بالبناء، تفادياً لأي صراعات قد تنشأ مع الأشخاص الذين اعتادوا زراعة الأراضي الميرية، بموجب عقود تجددها الحكومات المتعاقبة لها.

 

وما زاد الأمر تعقيداً، تدخل سرايا السلام في الصراع القائم على الأراضي، ومنعها المشترين الجدد من دخول أراضيهم خلال العام الماضي، بينما يرد صفاء التميمي، المتحدث باسم سرايا السلام، بأن تدخل السرايا جاء بطلب من مزارعين في المدينة، معتبرا أن "سرايا السلام قوة تمسك الأمن في سامراء وتمنع الاقتتال، وعملت على حماية الأراضي الزراعية ببناء سواتر، ومكافحة حرائق المحاصيل الزراعية فيها".

 

تَعَدٍّ على أراض أثرية

يثبت الكتاب الرسمي رقم 4019، الصادر في 25 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2019 عن فرع دائرة عقارات الدولة في محافظة صلاح الدين، أن معلومات وردت إلى الدائرة تفيد ببيع مساحات من القطعة 1/10 مقاطعة 22 جبيرية، وتبلغ مساحتها 4274 دونما و11 أولك (الأولك يعادل 100 متر مربع)، من قبل دائرة وتراث سامراء إلى المواطنين، علما أن القطعة مملوكة لوزارة المالية، وهي منطقة أثرية بموجب التصميم الأساسي، لتنذر الدائرة قائم مقامية قضاء سامراء بوقف التجاوزات الحاصلة عليها، وتزويدها بأسماء المتجاوزين لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.

 

وكان مدير بلدية سامراء دريد عبد القادر صالح قد طالب في كتاب مرسل لقائم مقامية قضاء سامراء في 25 نوفمبر 2018، بإيقاف فتح وتعديل الشوارع في القطعة المذكورة، كونها أثرية، وفي حال تمّ رفع الصفة الأثرية عنها فإنها تصبح تحت تصرف بلدية سامراء بحسب القانون رقم 80 لعام 1970، وينص في مادته الثالثة على أنه "إذا تملكت الجهات المبينة في المادة الثانية من هذا القانون ارضا بدون بدل وانتفى الغرض الذي ملكت من أجله لها فتعود ملكية الأرض إلى الوحدة الإدارية (البلدية) بقرار من رئيس الجمهورية واقتراح من وزير الشؤون البلدية والقروية".

 

يتوافق ما تكشفه الوثائق مع إفادة العراقي الستيني أحمد جهاد، الذي يزرع هو وأبناؤه القطعة (1/10) في المقاطعة 22 جبيرية، منذ عام 1984، قائلا إن الأرض المختلف عليها تقع خلف معمل الأدوية في المدينة، وتضم مواقع أثرية وزراعية مملوكة لوزارة المالية، بحسب السند الصادر عن السجل العقاري رقم (417139). ويؤكد جهاد أن العديد من المواقع الأثرية في منطقة قصور المتوكل غرب المدينة قسمت وبيعت لأشخاص بشكل مخالف، وأزيلت وتغيرت معالمها أيضا، بالإضافة إلى إزالة مركز سباق الخيل الواقع في المقاطعة 26 تل العليج، الذي يعود بناؤه إلى عهد الخليفة المتوكل أيضا، مضيفا أن كل ذلك تم في عهد مدير دائرة الآثار الحكومية في محافظة صلاح الدين، عمر عبد الرزاق البدري. لكن الأخير ينفي الاتهامات الموجهة إلى دائرته حول بيع أراض أثرية، واصفاً اياها بأنها "عارية عن الصحة"، مبيناً أن وظيفتهم حماية تلك الأراضي وليس بيعها.

 

وتنص الفقرة الأولى من المادة 9 من  قانون الآثار والتراث رقم 55 لعام 2001، على أن "تلتزم دوائر الدولة والقطاع الاشتراكي، عند وضع اليد على الأراضي أو إفرازها أو إزالة شيوعها داخل حدود التصميم الأساسي للمدن أو خارجها، بأن تتجنب توزيع واستغلال المواقع والأبنية الأثرية ووضع المحرمات المناسبة لها بالتنسيق مع السلطة الأثرية".

 

وفي هذا الشأن يؤكد الدكتور سفيان عباس التكريتي، رئيس فرع نقابة المحامين السابق في محافظة صلاح الدين، أن قانون الآثار والتراث لا يسمح بتحويل صنف الأراضي أو التلاعب بمصيرها، لكن المزارع جهاد يقول  إن عائلات ظهرت في يونيو/ حزيران 2019 وتدعي أنها اشترت مساحات محددة في هذه المقاطعة، ولديها سندات تمليك في قطعة مرقمة بـ(1/13) في المقاطعة ذاتها، وهي لم تكن موجودة استنادا إلى سندات الأرض التي يمتلكها، متهماً مدير دائرة الآثار الحكومية في محافظة صلاح الدين، عمر عبد الرزاق البدري، باستصدار هذا السند، ليتمكن من بيع أراض يحظر القانون بيعها، ويحملّه مسؤولية التلاعب في أصول وجنس الأراضي الزراعية والأثرية.

 

ويزعم البدري أن الأرض المختلف عليها ملك لأحد مواطني سامراء ومسجلة باسمه منذ عام 1984، وهي ضمن أرض زراعية مملوكة للدولة مساحتها 400 دونم، تقع في القطعة المرقمة (1/13) 22 جبيرية، وقام مالكها ببيعها كأسهم زراعية، أما منطقة قصر المتوكل، التي تحمل الصفة الأثرية، فتقع في القطعة (1/10) 22 جبيرية المجاورة لهذه القطعة، وأن الكثير من الناس اشتبهوا بأن القطعتين قطعة واحدة.

 

لكن الكتاب الرسمي، الصادر من مديرية التسجيل العقاري إلى مفتشية آثار وتراث صلاح الدين، في الثاني من ديسمبر/ كانون الأول 2019، يقول إن السند العقاري رقم 1/13 صدر وسجل لديها في حزيران عام 2019، ما يثبت صحة حديث جهاد حول عدم وجود هذا السند سابقا، إذ تم استصداره في الوقت الذي تم فيه بيع الأراضي الزراعية المحيطة بالموقع الأثري.

 

بيع غير قانوني

يقول  الأربعيني أحمد جاسم، إنه ومنذ أكثر من 20 سنة، يحيط ساتر بمدينة سامراء حوّلها إلى مدينة مغلقة، وتقع الأرض الزراعية داخل الساتر وهناك اشترى 200 متر للبناء، لكن جهاد اعترض على البناء لأن الأرض تعود له ولأقاربه، وقام بتهديده بالاستعانة بسرايا السلام التي منعته من دخول أراضيه والتصرف بها، وفقاً لجاسم، الذي يعد واحدا من 2500 متضرر اشتروا بالطريقة ذاتها في القطعة المختلف عليها، موضحاً أن القضاء حكم بعائدية الأرض للمشترين، استناداً إلى السندات الزراعية التي أُعطَوْها في القطعة 1/13 من المقاطعة 22 جبيرية، لكنهم فوجئوا بأن تلك الأراضي لم يجر تغيير استعمالها وفقا لما ينص عليه القانون من زراعية لسكنية، كما أنها تفتقر للخدمات الأساسية كونها خارج تصميم المدينة الأساسي.

طمس وإزالة معالم سامراء الأثرية لتسهيل بيع الأراضي

ويكشف جاسم أن وزارة الزراعة كانت قد باعت الأراضي في القطعة 1/10 جبيرية 22 لمستثمر، وهو بدوره باع للأفراد، وهو ما يمثل تحايلا على القانون، كما يوضح الدكتور التكريتي، لأن قانون الاستثمار رقم 50 لعام 2016، حدد آلية في استملاك الأراضي العائدة للقطاع الخاص أو الدولة ويحتم أخذ موافقة رئيس مجلس الوزراء، وأن هيئة الاستثمار هي الجهة التي تحدد المناطق وليس أي جهة أخرى غيرها، أما في بيع القطعة المرقمة بـ1/13 22 جبيرية، لم يكن التصرف من قبل هيئة الاستثمار وفقا للقانون.

 

وينطبق حال جاسم على الأربعينية إيمان عامر، التي تنتظر وعائلتها بناء مسكن لهم، بعدما اصطدموا بالمشاكل ذاتها.

 

هو ما يؤكده كتاب، صادر في 13 من فبراير/ شباط 2017، عن مدير بلدية سامراء فائق مطلق زيدان، إلى مديرية بلديات صلاح الدين، يحذر من وجود سكن عشوائي غير مطابق لمواصفات المدينة، وذلك بسبب تمليك الأراضي الزراعية المملوكة للدولة، والمشمولة بمحددات وقوانين البلدية إلى أشخاص، مطالباً دائرة عقارات الدولة بالتوقف عن ذلك، لما يسببه من ضرر كبير على البلدية في مجال الاستعمال والتوسع، ويؤكد على ضرورة الطلب من دائرة التسجيل العقاري في محافظة صلاح الدين الإيعاز إلى ملاحظية التسجيل العقاري في سامراء، بمنع تسجيل هذه الأراضي بدون موافقة البلدية، كون هذا التمليك للأشخاص لم يكن موجوداً سابقاً، وإنما ظهر فقط عقب عام 2014، بعد تردي الأوضاع الأمنية.

 

عشوائية بيع تلك الأراضي الزراعية والأثرية الواقعة خارج حدود التصميم الأساسي للأحياء السكنية في مدينة سامراء يتسبب، بحسب سكان المدينة، في تغيير خريطة مدينتهم بشكل عشوائي، ومع ذلك، استمر تمليك أراضي الدولة للأشخاص، كما أظهرت السندات الممنوحة للمشترين. علماً أن مديرية التخطيط العمراني، وبناء على توجيهات الوزير، أصدرت قراراً، في السابع من يناير/كانون الثاني عام 2019، بمنع ترويج معاملات تغيير استعمال المناطق الخضراء (الزراعية) والمفتوحة (لا يمكن البناء فيها) إلى استعمالات أخرى، وكذلك إيقاف جميع الإجراءات الخاصة بالقطع التي سبق وأن تم تغيير استعمالها من خضراء إلى استعمالات أخرى.

 

وعلى الرغم مما تكشفه الوثائق، ينفي مدير زراعة سامراء، ناطق صالح رشيد، وجود عمليات بيع وشراء للأراضي خارج إطار القانون في المدينة، قائلا إن الأراضي كانت إما أثرية ممنوع التعاقد عليها، وإما عقود للزراعة لموسم واحد وتجدد حسب موافقة دائرة الآثار، ثم ألغيت بعدما رفعت اللجان الجرد إلى مديرية زراعة المحافظة، من أجل مخاطبة دائرة الأراضي في وزارة الزراعة لإطفاء العقود، واستملاك الأراضي من قبل بلدية سامراء وضمها ضمن حدودها لإنشاء مشاريع ضمن مشروع سامراء عاصمة الحضارة الإسلامية.