الكونغرس يلغي التفويض… ترى كيف ننظر للقرار ؟…
قبل أيام، صوّت الكونغرس الأميركي على إنهاء التفويض الذي كان قد منحه للرئيس الأميركي مرتين: الأولى لغزو العراق عام 1991، والثانية عام 2002 لشن الحرب التي أطاحت بالنظام السابق. هذا القرار يُعدّ خبراً ساراً بحد ذاته، إذ يُغلق صفحة مؤلمة في تاريخ العراق الحديث، ويقرّ ضمناً بحجم الكارثة التي خلّفها التدخل العسكري، للعراق كوطن وللعراقيين كشعب .
الغزو العسكري، اسقط نظام حكم لكنه فشل في بناء البديل الناجح، دولة واعدة او نظام حكم رشيد.
لهذا كان قرار الكونغرس من هذه الزاوية بمثابة خبر سار يدعو للتفاؤل،
لكن المفارقة أن فرحة بعض العراقيين لم تكن بالمعنى نفسه. فهناك من استقبل القرار وكأنه زوال كابوس أو بمثابة حبل نجاة، يتيح له الإفلات من العقوبة أو المحاسبة على ما اقترفت يداه ولا زالت مستفيداً من ضعف الدولة ومؤسساتها، وتراخي قبضة إنفاذ القانون. متوهماً أن نهاية التفويض تعني نهاية الملاحقة او التغيير. هؤلاء وجدوا في القرار وكانه ترخيص جديد وضوء اخضر لمواصلة العبث والنهب والتخريب، في جسد العراق المنهك.
الحقيقة التي تغيب عنهم أنّ التغيير الذي حصل في العراق عبر الغزو العسكري لم يكن إلا خياراً واحداً، وليس الخيار الوحيد. فالتغيير – سواء بالضغط الشعبي، أو بوعي وطني داخلي، أو بانتفاضات سلمية او اعتصام ، أو بمسارات سياسية متجددة ، او من خلال صناديق الاقتراع والانتخابات ، قدرٌ لا مفرّ منه. وما ينتظره العراق اليوم ليس تدخلاً جديداً من الخارج، بل إرادة صادقة في الداخل، قادرة على إعادة صياغة الدولة، وإصلاح ما فسد، وبناء مستقبل لا يكون مرهوناً لقرارات الكونغرس أو لإرادة البيت الأبيض او لغيرهم.
إن إنهاء التفويض الأميركي يذكّرنا بحقيقة أن الأمم لا تنهض إلا بإرادتها الذاتية. والغزو، مهما حمل من شعارات براقة، لا يجلب في النهاية سوى الخراب. أما البناء الحقيقي، فمفتاحه بأيدي العراقيين أنفسهم: إرادة وطنية عزومة قادرة على التحدي وتحمل المسؤولية مهما طال بها الزمن، لا تتخلى عن الوطن ولا تبيعه في سوق المصالح الضيقة.

