الانتخابات المبكرة... بين عوامل النجاح والفشل
تذكر المدونات والأدبيات السياسية إن أبرز مهمة للانتخابات هو تهيئة سبل الاستقرار السياسي القائم على مبدأ التداول السلمي للسلطة. فالسلطة الحاكمة تستطيع عن طريق الانتخابات أن تبرر وجودها من خلال منطق الإرادة الجماعية، كما أنها تحقق المشاركة السياسية التي تتيح للأفراد والجماعات آليات التعبير عن آرائهم في اختيار المشاريع السياسية والممثلين عنهم في السلطات، وكلما زادت المشاركة السياسية كلما زاد الاستقرار الداخلي وأعطى الشرعية للسلطة السياسية. لكن في الأنموذج العراقي تبدو الأمور أكثر تعقيدا، فالمعضلة العراقية الانتخابية تحديدا لا تتعلق بسلوك الناخب فحسب، وإنما تتعدى إلى ما هو أبعد من ذلك.
تتجه الأنظار المحلية والإقليمية والدولية نحو حدث الانتخابات العراقية النيابية المبكرة، المؤمل إجراؤها في تشرين الأول/أكتوبر من العام الجاري، لما لنتائجها من تأثيرات حيوية في الاستقرار الداخلي وآثاره الخارجية، إذ بات العراق مصدرا من مصادر أزمات المنطقة وعاملاً من عوامل اللااستقرار المؤثر في التفاعلات الإقليمية والعلاقات الدولية، وهو ما يؤكد مركزية العراق في المعادلة الاستراتيجية للمنطقة التي تستقر باستقراره وترتبك بارتباكه، فمنذ ٢٠٠٣ والبيئة الإقليمية مضطربة حين شهدت خروج بغداد من الميزان الإقليمي للقوى المتنافسة.
على الرغم من تصويت البرلمان العراقي على القانون الانتخابي، إلا إنه تضمَّن عدة إشكالات جوهرية وشكلية تصل إلى ٣٢ ثغرة، وهو أمر معيب وغريب في الوقت نفسه ويضع العملية الانتخابية في محل شك وجدل، لعل من أهمها عدم إقراره للبطاقة البايومترية (الأحيائية) طويلة الأجل بوصفها الوثيقة الوحيدة المسموح بها للتصويت وسماحه بالتصويت بالبطاقة الإلكترونية قصيرة الأمد والقابلة للتزوير مع ادعاءات عدة من أحزاب ومراقبين بفقدان الملايين منها وذهابها إلى الأحزاب مع إمكانية استخدامها لأغراض التزوير، فضلًا عن إسناد مهمة تقسيم الدوائر الانتخابية إلى البرلمان وهو ما يقود إلى ظاهرة تعارض المصالح التي تحققت بالفعل بعد ذلك.
تختلف الانتخابات النيابية المزمع إجراؤها في العراق في العاشر من تشرين الأول المقبل عما قبلها من مناسبات انتخابية، وستجرى بنظام وآلية انتخابية لم تعهدها الحياة السياسية منذ العام 2003. فقد شرّع البرلمان العراقي قانونا انتخابيا يعتمد نظام الدوائر المتعددة لكل محافظة، وهذا ما سيفرض واقعا تنافسيا أقسى بين الطبقة السياسية قد يغير من خارطة التحالفات المستقبلية ويؤسس لواقع سياسي جديد مغاير لقواعد التوافقية السياسية التي حكمت العراق طوال 18 عاما ماضية.
كانت الانتخابات السابقة تعتمد المحافظة كلها كدائرة انتخابية واحدة، يتحرك المرشح في أقضيتها ونواحيها ويحاول استقطاب الجمهور وبناء قواعد جماهيرية يجمع فيها أصواته، ولكن اليوم بموجب القانون الجديد فلن يستطيع المرشح الراغب بالحصول على مقعد نيابي إلا أن يركز جهد حملته الانتخابية على دائرة انتخابية واحدة، تضم بضعة أحياء سكنية ويصل تعدادها لقرابة 400 ألف نسمة في أحسن الأحوال، مما يُصعّب المهمة على المرشح المستقل ويزيد حظوظ المرشح الحزبي نظرا لتمتعه بوسائل التأثير المختلفة على مزاج الناخبين في الدائرة الانتخابية، والتي سيستخدم فيها بلا شك المال السياسي والورقة العشائرية وسطوة السلاح، لاسيما في المناطق التي تخضع لسيطرة الميليشيات المسلحة.
إن عملية تقسيم الدوائر الانتخابية في أي دولة تدَعي الديمقراطية، شغل بال الفقهاء والمشرعين الساعين لتحديد الضمانات المتعلقة بنجاعة العملية الانتخابية، لأن التقسيم الجديد استُغِل عملياً للتأثير في مشاركة الناخبين في مناسبات انتخابية سابقة لاستئِثار فئات معينة من الجمهور الحزبي يكون لهم تمثيل يوازي ثقلهم الجماهيري. إن عملية تقسيم الدوائر بشكل عادل يعتبر ركيزة أساسية وأولى في أي عملية انتخابية نزيهة، يشعر الجمهور بالاطمئنان لحقه في التصويت وفي اختيار من يمثله، ومن هنا إذا كان توزيع الدوائر منصف وأخذ الجميع حقوقهم العادلة فسنكون قد وضعنا اللبنة الأولى من لبنات نزاهة الانتخابات وقبول نتائجها.
عند قراءة مسودة القانون العراقي لانتخابات البرلمان، لم يُشر في أي مادة من مواده إلى آلية ترسيم الدوائر الانتخابية، مما جعل الأمر مثار شك لدى بعض الجماعات السياسية والمواطنين على حد سواء، ففي معظم القوانين الانتخابات تخصص فقرات أو قانون منفرد للجهة المخولة بترسيم الدوائر لأهمية الموضوع، ومن الشائع بالنسبة للقوانين الانتخابية في كثير من البلدان أن هناك أطرافا تضطلع بمهمة ترسيم الدوائر الانتخابية وهي: هيئة أو لجنة خاصة تضطلع بمسؤولية ترسيم الدوائر الانتخابية، منفصلة عن هيئة إدارة الانتخابات.
قسمت الأحزاب السياسية والجماعات المسلحة الدوائر الانتخابية على أساس مصالحها وقواعد تضمن فوز ممثليها في الانتخابات المقبلة، وخضع موضوع تقسيم الدوائر إلى المساومة السياسية والتوازنات الطائفية بالتراضي بين الفواعل المتنفذين، ولم يخضع موضوع التقسيم إلى معايير موضوعية تتعلق بالحدود الإدارية للمدن والأقضية والنواحي، أو التعداد السكاني أو البطاقات الوطنية والتموينية أو التمثيل الديمغرافي أو حتى الصلات الجغرافية ما بين المناطق، وهذا بطبيعة الحال سينعكس سلباً على حقيقة التمثيل السياسي للسكان ومصالحهم.
يمثل قرار اعتماد البطاقة الانتخابية الالكترونية قصيرة الأمد والتي صوت بها الناخب في الانتخابات العراقية العامة عام ٢٠١٨، أزمة حقيقية ستؤثر في نزاهة عملية الاقتراع عام ٢٠٢١، فقد أكدت الانتخابات العامة الماضية أن البطاقة القصيرة الأمد كانت من وسائل التزوير وتم بيعها وشراؤها من لدن العديد من الشخصيات والكيانات السياسية بأثمان بخسة، فهي تفتقر إلى التقنية والحداثة ويمكن استخدامها في التصويت وملئ صناديق الاقتراع من غير أصحابها الشخصيين والمفوضية كانت قد أعلنت عن فقدان 1.5 مليون بطاقة ناخب إلكترونية ستستخدم بلا شك في تزوير الأصوات.
يشكل سلاح الميليشيات وسلاح العشائر وسط وجنوب العراق، التهديد الأمني الأكبر على سير العملية والوصول الآمن لمراكز الانتخاب في محافظات وسط وجنوب البلاد، وكذلك محافظات ديالى ونينوى والأنبار وصلاح الدين، بالإضافة إلى مناطق حزام بغداد ومناطق أخرى خاضعة أمنيا لسيطرة تلك المجموعات المسلحة.
إن نزول أغلب الجماعات السياسية وأجنحتها المسلحة بمسماها الصريح أو البديل في دوائر انتخابية محدودة الناخبين والجغرافيا، بعد فشلها في الاتفاق على تقاسم الدوائر ومرشحيها فيها، قد يُحدث نزاعا مسلحاً بأبعاده السياسية والعشائرية والميليشياوية، وهو ما قد يحاول الجميع تجنبه بالدفع نحو تأجيل الانتخابات، لكونه يمثل حرباً أهلية بمعناها الحقيقي وما تمثله من تداعيات يمكن مشاهدة ملامح آثارها بصورة يومية في المدن التي ينشط فيها سلاح الميليشيات المنفلت.
أفرزت الاغتيالات الأخيرة في العراق، فكرة مقاطعة الانتخابات والنظام السياسي في العراق، خاصة مع مقتل الناشط في كربلاء، إيهاب الوزني، في 9 أيار/مايو، ما أدى إلى أن تعلن قوى ناشئة عن احتجاجات تشرين مقاطعة الانتخابات، لأن "البيئة غير آمنة" لإجراء الانتخابات في العراق، فضلًا عن سيطرة ما أطلقوا عليه "السلاح المنفلت".
تبدي كتل سياسية مخاوفا من استخدام السلاح من طرف بعض الجهات للتأثير على نتائج الانتخابات البرلمانية المبكرة، ففي 27 مايو/ أيار الماضي، حاصرت فصائل مسلحة مواقع عديدة في المنطقة الخضراء شديدة التحصين وسط العاصمة بغداد، بينها منزل الكاظمي، ومبنى الأمانة العامة لمجلس الوزراء، رفضا لاعتقال قيادي في الحشد.
هذه الشواهد تعضد مخاوف الجماهير والفعاليات السياسية من أن تكون الفصائل المسلحة وسلاحها، المحدد الأكثر تأثيرا في الانتخابات المقبلة، من جهة تحديها للحكومة والابتزاز السياسي والضغط على المواطن ومصادرة حريته في اتخاذ القرار وغيرها من التحديات التي تمس جوهر الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان في التعبير عن آرائهم.
تشير أغلب الدراسات إلى أن سيناريو المقاطعة الشعبية الواسعة التي شهدتها انتخابات 2018 ستتكرر وبصورة أشد في انتخابات 2021 نظرا لسوء إدارة الشأن القانوني الانتخابي والانقسام والاستقطاب الحادين في داخل المكون الواحد، وضغط السلاح على الرأي العام وضعف السلطات في حماية المواطن وفشلها في تنفيذ القانون على الفاسدين والمتهمين بارتكاب جرائم ضد المتظاهرين.
يمثل انسحاب قوى سياسية ونوايا مقاطعة الجماهير وفعاليات تشرين للانتخابات البرلمانية المبكرة بمثابة رسائل للمجتمع الدولي، بأن وضع العراق غير مستقر وغير مهيء لإجراء العملية الانتخابية، وأن إجراءها في هذا الظرف يعرّضها للطعن في نزاهتها، كما أن استمرار إعلان جهات وشخصيات سياسية مقاطعتها للانتخابات المبكرة، قد يدفع بشكل حقيقي إلى تأجيل موعد هذا الاستحقاق، وربما هذا التأجيل، بناء على مطالبات دولية، وتوصيات ترفع من قبل جهات وأطراف دولية لها تأثير على الوضع العراقي الداخلي.

