النفط… فرص نهضة العراق
يعد العراق من الدول الكبرى في إنتاج وتصدير النفط، حيث تمثل العوائد 90 في المئة من موارد الميزانية السنوية ، هو رقم كبير على خارطة الانتاج النفطي العالمي ورغم ذلك فهو لازال يعاني من أزمات اقتصادية مزمنة ، نسب فقر عالية وبطالة مرتفعة وهدر السابق له…. منذ الاحتلال الأمريكي في العام 2003 بسبب السياسات المالية الخاطئة وسيطرة مافيات الفساد على مقدرات السلطة.
العراق يمتلك احتياطاً نفطياً يبلغ نحو 145 مليار برميل، ما يعادل 17 في المائة من احتياطي الشرق الأوسط، و8 في المائة من الاحتياطي العالمي، وهو خامس أكبر احتياطي عالمي. لكن أرقام الحكومة العراقية تشير إلى امتلاكها احتياطاً مؤكداً يبلغ 153 مليار برميل.
العراق ثري،، بموارده النفطية وغير النفطية، من زراعة وصناعة وخدمات سياحية ...الخ لكنه مع ذلك لازال يعاني من أزمات اقتصادية ومالية على مدى عقود. ما اضطر الحكومة العراقية برئاسة مصطفى الكاظمي إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات التقشفية لمعالجة الأزمة المالية، وسد العجز الحاصل في موازناتها، من أبرزها خفض قيمة العملة المحلية، بواقع 1450 دينارا للدولار الواحد. بعد ثباتها لسنوات عند عتبة 1200 دينارا للدولار.
حققت الحكومة العراقية من الارتفاع الحالي لأسعار النفط عوائد مالية قدرت بـ ٨ مليار دولار في الشهر يناير/كانون الثاني ٢٠٢٢، بمعدل تصدير بلغ نحو 3.5 ملايين برميل يوميا. كما تقول مصادر أن السلطات بعد ارتفاع أسعار النفط الخام ألغت وبشكل غير مُعلن خطط الاقتراض الخارجي بشكل كامل، كما انعكست السياسات الاقتصادية لحكومة الكاظمي على احتياطي البنك المركزي العراقي الذي ارتفع إلى نحو 65 مليار دولار، مقارنة بنحو 56 مليار دولار قبل أقل من عام .
تطور ايجابي آخر حصل خلال هذه الفترة ويتمثل بغلق ملف الديون الكويتية الذي وفر نحو ملياري دولار سنويا كانت تستقطع من الموازنة العامة للحكومة العراقية، ولكن يبقى السؤال الكبير ماثلاً ، أين سيتم توظيف كل تلك العوائد آنفة الذكر ؟؟ وما هي فرص استثمارها بمشاريع استراتيجية تعوض العراق عن ضياع فرص حقيقية في التنمية على مدى ٢٠ عاما مضت؟!!!
قد تكون الأولوية المرحلية هي دعم مرتكزات الاقتصاد الوطني غير النفطي ، ونقصد الزراعة والصناعة ، والاهتمام بالمشاريع الكثيفة بالسكان من اجل حل معظلة البطالة المتفشية لاسيما بين الشباب القادرين على العمل ، لقد تناقصت حصة القطاع الخاص في الناتج القومي الاجمالي بفضل اغراق السوق بمنتجات رديئة النوعية رخيصة الثمن ، كما عطلت مصانع ومزارع القطاع العام بفعل فاعل والتي تحتاج الى حملة وطنية وخطة منهجية عاجلة للانقاذ ...لهذا لا مفر من تشجيع تأسيس الشركات الانتاجية للقطاع الخاص انسجاماً مع متطلبات الاقتصاد الحر ، وتسهيل حصولها على راي المال ودعمها امام الانتاج الاجنبي ، والتوعية الوطنية باهمية تشجيع الطلب على المنتج الوطني حتى يتحقق الاكتفاء الذاتي من السلع الاستهلاكية على الاقل ، غذاء ، دواء ، ملبس ، مسكن .... لتخضع جميعها لسيطرة نوعية صارمة ، يصاحب ذلك محاولة ربط الطاقة مع دول الجوار لتأمين حاجة العراق من الكهرباء ومصادر التشغيل لانطلاق العجلة الإنتاجية الوطنية دون مشاكل او عقبات .
بفضل غياب الخطط التنموية على مدى السنوات الماضية ، بات المواطن العراقي بأمس الحاجة الى بيئة خدمية وبنى تحتية تتناسب وحجم ثروات بلاده، وهو يعلم أيضا أن الحائل دون الوصول إلى هذا الهدف هو الفساد وسيطرة الجماعات السياسية الفاسدة على المفاصل الاقتصادية للسلطة.
إن النهوض بالواقع الخدمي لن يتحقق إلا من خلال شركات إقليمية وعالمية رصينة تدخل السوق العراقية من خلال الشراكة Join Venture بين الوطني والاجنبي ، وهي الطريق المثلى التي كانت وراء القفزة التنموية لاقطار الخليج العربي ، وهذا النموذج يبقى صالحاً لتنفيذ مشاريع البنى التحتية والتي عادة ما تكون مشاريع عملاقة لا تقوى الشركات العراقية على تنفيذها لوحدها ، كالطرق والجسور والكهرباء والماء والمدن الصناعية وغيرها من المشاريع ، وفي اطار هذا النموذج ، يمكن ان تبنى المشاريع ، يتقلص الهدر والضياع ، مع مراعاة المعايير الدولية في ادارة المشاريع وتنفيذها ، تشغل الايدي العراقية العاطلة ، وأخيراً يجري نقل التكنلوجيا والخبرات الاجنبية بأقل كلفة ممكنة .
ليس جديداً على صانع القرار الاقتصادي في العراق لكن لا ضير من تذكرة إلى أن الثروة النفطية آيلة للنضوب , مع استمرار تحول الدول إلى أساليب الطاقة البديلة النظيفة التي يمثلها الغاز وألواح الطاقة الشمسية والرياح وما شابه ، وهذا تحدٍ كبير ينبغي أخذه بعين الاعتبار بعد تعافي الاقتصاد العراقي من التزامات واعباء كبيرة ، لكن ، وهنا نكرر ، فإن التخطيط لاستبدال النفط بالغاز وغيرها من البدائل يتطلب أولا وقبل كل شيء تحرير المدن الغنية بمصادر الطاقة من سيطرة الجماعات المسلحة والساسة الفاسدين لتنطلق عجلة التنقيب والتأسيس لمصادر الطاقة البديلة في مدن العراق وصحاريه كافة .
تمثل فكرة إنشاء صندوق ثروة سيادية يُمول من فائض الموازنات المالية بناء حاجز مالي متماسك يمنع الانهيار الاقتصادي، لكنها من جهة اخرى تمثل افضل ضمان لحقوق الأجيال القادمة من ثروات بلادهم، فضلا عن إمكانية استثمار هذه الأموال في إنعاش الاقتصاد المحلي، ومعالجة الأزمات الآنية التي قد تطرأ جراء هبوط أسعار النفط. وتعرف صناديق الثروة السيادية بأنها صناديق استثمارية تدير فوائض الدولة المالية من خلال أصول خارج حدود دول المنشأ، لكنها لا تكون تابعة لوزارات المالية أو البنوك المركزية، كما تختلف عن الاحتياطي الأجنبي النقدي.
كل التوصيات والمشاريع الاستراتيجية التي تقدمها البحوث و الدراسات والتي تطالب الحكومة بناء هيكل اقتصادي عراقي وطني متين، يمكن أن تصبح حبرا على ورق في حال بقي القرار السياسي والأمني والاقتصادي رهينة بيد الاطراف السياسية السلطوية المسلحة الفاسدة ، فكل اصلاح اقتصادي ، صغر أو كبر ، يشكل تهديدا لنفوذ و تجاوزات تلك الجماعات لهذا هي لن تدخر وسعاً في اجهاض وعرقلة اي اصلاح ومحاربته بالمباح والمحظور، هذا هو التحدي الاكبر الذي يواجهنا ، ومن دون تغيير حقيقي ، تبقى الاماني ….مجرد احلام لا أكثر .

