رأي تجديد

الانسداد السياسي… شيء من أزمة النظام في العراق

لم تكن أزمة ما سُمي بـ"الانسداد السياسي" أو "الانغلاق السياسي" وليدة اللحظة أو نتاج انتخابات ٢٠٢١ المبكرة، بل هي صفة مُلازمة للحياة "السياسية" في العراق والتي تسمى (أزمة النظام السياسي) العاجز عن إيجاد حلول لأزمة تسمية رئيس الجمهورية، والخالي أيضا من أي صفة إلزامية للمؤسسات والجماعات لاتخاذ التدابير البديلة لأي جمود يعانيه المشهد السياسي.
مرت ٦ شهور على إجراء الانتخابات وظهور نتائجها ولم تر الحكومة الجديدة النور حتى اللحظة، بل يعتقد أن أزمة تسمية رئيس الجمهورية فقط دون الحديث أزمة تكليف رئيس الوزراء، ستستمر لشهر آخر دون التكهن بمستقبل وأفق حلها بسبب تمسك كلا الفريقين اللذين يتزعم أحدهما التيار والآخر الإطار بمشروعهما، فالصدر مصمم على مبدأ "الأغلبية الوطنية" أو ما يصح تسميته بالحكومة الائتلافية، بينما يصر فريق الإطار الشيعي على ضرورة التئام الأغلبية الشيعية النيابية لتشكيل الكتلة الأكبر وتمرير رئيسي الجمهورية والوزراء.
يقع النظام السياسي في العراق رهينة التوافقية السياسية من جهة ومزاجية الفاعل السياسي الأقوى من جهة أخرى، فلا يمكن أن يمر مرشحو مراكز صنع القرار إلا بهذين المبدأين، ولم يضع النظام المتمثل بدستوره ومؤسساته الرقابية كالمحكمة الاتحادية ومجلس القضاء الأعلى محددات زمنية واضحة مُلزمة ومن بعدها يذهب الجميع إلى خيارات أخرى أو تُعاقب الجماعات لمخالفتها قواعد الدستور، بل تركت الحبل على الغارب بانتظار تنازل أحد الطرفين أو ضعفه، أو سن مجموعة قرارات غير حاسمة وتدفع أطراف النزاع نحو التسوية التوافقية، وهذا ما يوصل النظام نحو الشلل التام في تسيير شؤون الدولة ومواطنيها بمبدأ تصريف الأعمال.
منح  سيد مقتدى الصدر الإطار التنسيقي  الشيعي مهلة الـ٤٠ يوما كفرصة للانفراد بتشكيل الحكومة وجمع الأغلبية العددية اللازمة لتمرير مرشحه لرئاسة الجمهورية فيكلف رئيس الوزراء بعد ذلك، وهو يعلم مسبقا بصعوبة الأمر في ظل الحاجة إلى ٢٢٠ نائبا لعقد الجلسة، لذلك رد الإطار بإنه لن يمضي إلى أي خيار دون التيار حفاظا على وحدة البيت الشيعي، وهذا ما يجعل المشهد يمضي نحو التعقيد لا الحل، فماذا بعد انتهاء مهلة الـ٤٠ يوما؟  
إن انقضاء المهلة الصدرية دون أن يوفق الإطار بتثبيت نفسه الكتلة الاكبر وتكليف رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة التوافق دون الصدريين، فسيكون عليهم التعامل مع أحد السيناريوهين: إما القبول بفوز مشروع التحالف الثلاثي والقبول بالجلوس في صف المعارضة النيابية، او إطالة أمد الجمود السياسي والذي يعني بالضرورة استمرار حكومة مصطفى الكاظمي لأشهر أخرى تكون كفيلة بتمرير المشاريع وإدارة السلطة بعيدا عن ضغوط الإطار، لاسيما بعد أن جرب خسارة جولة لجان البرلمان والتي ذهبت برمتها إلى أطراف التحالف الثلاثي.
لن يسكت مسلحو الإطار التنسيقي على أي سيناريو لا يضمن تمثيلهم السياسي والأمني في السلطة لديمومة مصالحهم ومكتسباتهم الاستراتيجية لاسيما في المحافظات الوسطى والشمالية، إلا إذا أجبرتهم طهران على القبول بمعادلة سلطة جديدة في العراق لن يكونوا ضمنها، وهذا ما يتطلب من الصدر منح المزيد من الضمانات لأطراف صنع القرار الإيراني في بغداد لتمرير صفقة تشكيل حكومة الأغلبية.
قد تتعرض المدن السنية والكوردية تحديدا إلى حملات إعلامية وأمنية في حال تمسك فواعلها السياسيون بخياراتهم مع الصدر، وقد لاح ذلك في الآونة الأخيرة تجاه الأنبار مرارا، ولا يمكن أيضا استبعاد قصف أربيل بالصواريخ الباليستية الإيرانية عن ذات السياق، فكلا الطرفين يمثلان الخاصرة الأضعف في المعادلة تجنبا لمواجهة مع الصدر والتي تعد إيذانا بحرب أهلية شيعية-شيعية، فالأفضل هو تفتيت مشروع الأغلبية باستهداف السنة والكورد وهذا ما ينبغي للصدر الانتباه له وفرض وسائل رادعة لحماية حلفائه إن كان طموحا باستمرارهم في المشروع القادم.