رأي تجديد

حكومة الاطار ام حكومة إئتلافية ...

نشأت الحياة السياسية في العراق على مبدأ (حكومة الشراكة) والتي تعني بشكل أدق وبمعناها المعرفي الأكاديمي (الحكومة الائتلافية) التي تتشكل من توافق قوى مختلفة فائزة على تشكيل الحكومة وبرنامجها السياسي، ويتيح تحقق النصاب العددي المطلوب على تمرير معادلة تسمية رئيس الجمهورية والتصويت على رئيس مجلس الوزراء وكابينته الوزارية.
 
ومن مسلمات الحياة السياسية وما أثبتته التجارب الماضية لخمس حكومات متتالية، أن "حكومة الشراكة" هي مسألة شكلية لا تحكمها الاتفاقات السياسية أو العهود والمواثيق المرعية التي تم الانقلاب عليها بعد حصول الحكومة على الثقة النيابية واستلامها مفاتيح السلطة الشاملة، فالدستور منح رئيس مجلس الوزراء صلاحيات مطلقة كمسؤول تنفيذي، كما منحته الكتلة الأكبر عددا الحصانة من المساءلة النيابية أو السياسية تجاه تطبيق الدستور أو الاتفاقات السياسية.
 
مُنع الصدر وحلفاؤه بكافة السبل القانونية وغير القانونية من تشكيل (حكومة ائتلافية) زعما من الإطار التنسيقي أنها ليست حكومة شراكة للجميع وستضعف الفاعل السياسي الشيعي وتصادر سلطته على صناعة القرار السياسي والأمني، وبعد استقالة الصدريين من البرلمان مررت ذات المعادلة التي كان يسعى لها الصدر، واستبدل التيار بالإطار مع استمرار الحليفين السني والكوردي في معادلة السلطة كطرف ثابت لم تتغير حصصه مع فرض عدد من "الشروط والضمانات"، وشكلت حكومة محمد شياع السوداني تحت مسمى حكومة "الشراكة" مرة أخرى كعرف سائد منذ 20 عاما".
 
اعترف محمد شياع السوداني في جلسة جمع فيها العديد من الوجوه الإعلامية التي ترتدي رداء التحليل وصدارة مراكز الدراسات والأبحاث، ليعلن بكل وضوح أنه مرشح الإطار وأن حكومته هي حكومة (الإطار التنسيقي) مُلغيا فكرة (الحكومة الائتلافية) أو (الشراكة) عودة لسيناريوهات الحكومات السابقة التي حملت تلك الأوصاف وانتهت حكومة الحزب الواحد أو الوصاية المكوناتية دون أي اعتبارات تعددية وتوافقات سياسية على تمرير الحكومة.
 
إن تصريح رئيس مجلس الوزراء محمد السوداني بأن حكومته هي "حكومة الإطار" سيحمل الإطار التنسيقي مسؤولية فشل الأداء المتوقع بسبب الدولة العميقة وتصديها لأي محاولة إصلاحية وعلى المستويات الاقتصادية والأمنية، وأن جملة التغييرات التي ينفذها السوداني في مواقع إدارة السلطة لن تغير من واقع الدولة المتضرر شيء سوى بالشكليات، فالسلاح المنفلت لا يمكن نزعه، والسجون لا يمكن تبييضها من المظلومين، ومافيات التهريب جزء من مكونات السلطة، والحالة التوافقية السائدة لا يمكن مراجعتها إلا بحياة سياسية جديدة.      
 
يمكن وصف نشاط السفيرة الأمريكية في بغداد بأنه متصاعد ومحموم وغير معهود من لدن سفراء واشنطن السابقين، فخلال فترة وجيزة من تشكيل الوزارة التقت بأهم وزراء حكومة محمد السوداني وأبدت الاستعداد لتقديم الدعم اللازم وإحياء الاتفاقيات ما بين البلدين، وهذه إشارة على أن الولايات المتحدة ليست متحفظة على حكومة يشكلها الإطار التنسيقي على الرغم أن مكوناته من الفصائل المسلحة المتورطة بقصف مصالح أمريكية في بغداد وأربيل، وقد يكون هذا نابع من اتفاقات غير معلنة وضمانات ما بين الطرفين بتفاهم إيراني وأمريكي على تهدئة المشهد في العراق خلال أزمة الحرب الأوكرانية-الروسية.  
 
لا بد من التذكير أن حكومة السوداني مررت على توافق جوهري يتعلق بالانتخابات النيابية المبكرة مجددا، والتي يُعتقد أنها لن تتم خلال عام كما نص البرنامج الحكومي على ذلك، فمن المرجح أن تكمل الحكومة الحالية فترتها الدستورية لأربع سنوات حتى موعد انتخابات 2025، مع توافق غير معلن على إجراء انتخابات مجالس المحافظات قبل العامة بسنتين بهدف استعادة إدارة المحافظات ومناصب الحكومات المحلية التي تؤسس بدرجة كبيرة لنتائج الانتخابات النيابية كما أسست انتخابات 2009 للمحافظات انتخابات 2010 العامة والتي جاءت نتائجها ومساحات نفوذها متقاربتين إلى درجة كبيرة.