وهم مكافحة الفساد في العراق
عرّف البنك الدولي الفساد بأنه شكل من أشكال خيانة الأمانة أو الجريمة التي يرتكبها شخص أو منظمة يُعهد إليها بمركز سلطة؛ وذلك من أجل الحصول على مزايا غير مشروعة أو إساءة استخدام تلك السلطة لصالح الفرد. يمكن للفساد أن يشمل العديد من الأنشطة التي تتضمن الرشوة والاختلاس، ويتضمن أيضًا ممارسات تُعد قانونية في العديد من البلدان
وفق هذا التعريف المقتضب الصادر عن مؤسسة مالية دولية، يمكن تجسيم شكل الفساد في العراق حتى يمكن فهمه وإلى أي درجة يمكن محاربته بالفعل، لاسيما وأنه مرتبط بفواعل السلطة (فرد وجماعات) بالدرجة الأساس وفي كافة مستوياتها، مع تمتعهم بالحصانة القانونية والدينية والاجتماعية التي تتيح ممارسة الفساد وسلوكياته المختلفة.
لم يصل رئيس حكومة في العراق إلى سدة الحكم إلا وأعلن عن تشكيل لجنة لمكافحة الفساد وفق برنامج دعائي ينتهي بمغادرة المنصب ولم تكن له نتيجة إلا مزيدا من الفساد وهدر المال على برامج حكومية وهمية، وفي سياق تاريخي قريب شكل رئيس مجلس الوزراء الأسبق نوري المالكي (٢٠٠٦ ـ ٢٠١٠) عام ٢٠٠٧ (المجلس التنسيقي المشترك لمكافحة الفساد) وزعم بأن ٢٠٠٨ ستكون «سنة إعلان الحرب على الفساد الإداري والمتلاعبين بالمال العام الذين يجمعون بين رغبتهم الفاحشة بجمع الأموال والعمل السياسي». أما رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي فقد شكل (المجلس الأعلى لمكافحة الفساد) في العام 2015، وأعلن في عهده عن «استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد للأعوام ٢٠١٥ ـ ٢٠١٩»، التي زعمت أن العراق «يعد من الدول الرائدة في تبني استراتيجية خاصة بمكافحة الفساد». أما خلفه رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي (٢٠١٨ ـ ٢٠٢٠) فقد أعاد تشكيل (المجلس الأعلى لمكافحة الفساد) في بداية ولايته، وصرح بأن "مكافحة الفساد تكاد تمثل نصف عمل الدولة".
وفي عهد رئيس مجلس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي (٢٠٢٠ ـ ٢٠٢٢) شُكلت لجنة دائمية للتحقيق في قضايا الفساد والجرائم الهامة» عُرفت باسم «اللجنة العليا لمكافحة الفساد» وذلك بعد توليه منصبه مباشرة. وقال، لاحقا، بأن هذه اللجنة قد كشفت في عام واحد من عملها «ملفات فساد لم تكشف طوال ١٧ عاما»
وبمجرد التدقيق فيما تحقق من اللجان الخمس المشكلة في عهود رؤساء الحكومات السابقين، لم يسترد العراق أي مال منهوب من صفقة فساد كبرى معلنة، على الرغم وأن المؤسسات المالية الرقابية وأبرزها هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية تُعلن في تقاريرها بوضوح أن كافة الملفات جاهزة للسير في سياقها القانوني آخرها ما أعلنته النزاهة بوجود ١١ ألف ملف نزاهة خلال العام ٢٠٢٢ فقط أغلبها لشخصيات شغلت مناصب عليا في الدولة، أو ما أعلنه رئيس الجمهورية السابق برهم صالح بأن هناك 150 مليار دولار هُربت خارج العراق.
لقد كان وزير المالية في حكومة الكاظمي المستقيل علي علاوي أكثر وضوحا حين وصف في خطاب استقالته الدولة بأنها "دولة الزومبي" بالقول: (تم الاستيلاء على مفاصل واسعة من الدولة فعليا من قبل الأحزاب السياسية وجماعة المصالح الخاصة». وأن شبكات سرية واسعة «من كبار المسؤولين ورجال الأعمال والسياسيين وموظفي الدولة الفاسدين تعمل في الظل للسيطرة على قطاعات كاملة من الاقتصاد، وتسحب مليارات الدولارات من الخزينة العامة. هذه الشبكات محمية من الأحزاب السياسية الكبرى، والحصانة البرلمانية، وتسليح القانون وحتى القوى الأجنبية).
أثارت قضية ما يطلق عليه إعلاميا "سرقة القرن" فهم الطبقة السياسية في العراق لمبدأ محاربة الفساد، وكيف أنه وسيلة ضغط وابتزاز وتصفية حسابات، دون أن يكون مسألة أخلاقية تتعلق بأموال الشعب وحقوقه القانونية، فالموضوع المُثار اليوم ذو صلة مباشرة برئيس الحكومة السابقة مصطفى الكاظمي حصرا وفريقه الاستشاري الذي تحوم حوله أحاديث شبهات الفساد، ومسار القضية من المرجح أن يصل إلى سيناريو استرجاع المال وغلق الملف بالكامل دون الخوض بتفاصيل المافيات المرتبطة بالفرد المسؤولة عن تهريب أكثر من 2 مليار دولار.
لا يتعلق الفساد في العراق بسلوك أفراد "كما يحاولون إيهام الرأي العام بنور زهير أنموذجا"، بل هو متجذر في بنية النظام السياسي نفسه على شكل مكاتب اقتصادية وشركات وأفراد مرتبطين بالجماعات السياسية والمسلحة على حد سواء، ويشغلون كافة مفاصل الدولة ومؤسساتها العليا والدنيا، فكيف يمكن لهذه البنى التحتية للفساد في العراق أن تحارب نفسها أو أن تتنازل عن كنز الموازنة العامة والتهريب والمكاتب الاقتصادية والمنافذ الحدودية والأوقاف والعقود وغيرها؟!!!، إلا إذا كانت في سياق الدعايات التي تقدم أكباش فداء تضحي بالسجن سبع سنوات في مكان مهيئ خمس نجوم لضمان بقاء بنية الفساد الأصلية.
جميع سلطات الدولة ومؤسساتها شركاء متضامنون في هذا الفساد، من مجلس النواب الى مجلس الوزراء إلى الهيئة العامة للضرائب إلى هيئة النزاهة إلى ديوان الرقابة المالية إلى البنك المركزي العراقي إلى مسجل الشركات إلى القضاء نفسه. وأن مؤسسات الدولة قد تحولت إلى إقطاعيات للفاعلين السياسيين، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، يتصرفون فيها كما يشاؤون لأنهم محصنون بحصانه من ورائهم، وهو ما سمح بالاستيلاء على ٢.٥ مليار دولار، دون أن تحاول أي جهة منع هذه السرقة أو إيقافها، والأهم من ذلك، أن مخططي ومنفذي هذه السرقة الكبرى لايزالون طلقاء، وفي مناصبهم الحساسة وقادرين على التغطية على الجريمة.
إن بنية الفساد التي حكمت لحظة تأسيس الدولة الجديدة ظلت تعيد إنتاج نفسها بأشكال متعددة وبصيغ مختلفة، مع تواطؤ جماعي لم يوقفه حتى الصراع المحتدم بين السياسيين! وبذلك أصبح الفساد بضاعة عراقية بامتياز، يبدأ من الدولة نفسها ولا ينتهي بأصغر موظف في أي دائرة من دوائر الدولة، على امتداد البلد دون استثناء، الأمر الذي أتاح إهدار عشرات مليارات الدولارات بشكل منهجي في عقود ومقاولات مبالغ في أسعارها، ولم تنجز أصلا، وكل ذلك كان يتم بناء على العلاقات القرابية، والحزبية، والمناطقية، والعرقية، والمذهبية.

