رأي تجديد

إشكالية أزمة سعر صرف الدينار العراقي

تعاني العملة المحلية العراقية تراجعا ملحوظا أمام الدولار مسجلة مستويات متدنية أضرت بالسوق والمستهلك اقتربت إلى ١٦٠ ألف دينار لكل مئة دولار أمريكي، وأحدثت حالة من الركود توحي أن هناك انهيارا اقتصاديا مرتقبا أسوة بما تعانيه نظم سياسية كإيران وسورية ولبنان، حتى بدا لبعض المراقبين أن العراق على شفا اللحاق بهم قياسا بالأدوار والفواعل الإقليمية المؤثرة في الدول المذكورة.
 
اختلفت التصريحات الرسمية وغير الرسمية حول أسباب تراجع الدينار العراقي أمام الدولار الأمريكي، فبعضهم عزاه إلى مضاربات مالية بين تجار العملة على خلفية شح الدولار في السوق، مما أثرت بشكل مباشر على أسعار الصرف، وآخرون أرجعوا الأمر إلى أسباب سياسية تتعلق بالتأثير السلبي على المزاج العام تجاه حكومة الإطار التنسيقي برئاسة محمد شياع السوداني، وتأكيد فشلها في أول اختبار اقتصادي لضبط أسعار صرف العملة المحلية مقابل الدولار، نظرا إلى أنه كان من أشد المعارضين والإطار أيضا لتشريع خفض أسعار الصرف في زمن حكومة الكاظمي السابقة. ولكن هناك حقيقتان يخشى الأغلبية الحديث عنهما على المستويين الرسمي وغير الرسمي.
 
كان "مزاد العملة" للبنك المركزي الذي يسمح نظامه ببيع الدولار للمصارف العراقية بكل حرية ودون قيود قانونية أو مالية، مفتاح الأزمة الاقتصادية القائمة في العراق والسبب الرئيس في استنزاف العملة الصعبة للخزينة، حيث بلغ معدل البيع اليومي في بعض الأحيان نحو 250 مليون دولار يومياً في ما يُعرف بمزاد العملة، إذ تشتري البنوك الأهلية المشاركة في المزاد الدولار وشركات التحويل المالي بالسعر الرسمي وتربح ملايين الدولارات يوميا من فرق الأسعار الرسمي والمتداول في الأسواق المحلية، الأمر الذي ولّد مشكلات وأزمات ومبالغات في عملية شراء الدولار وتعديات من خلال تهريبه إلى خارج العراق أو تحويله لبعض أرصدة الجماعات السياسية والفصائل المسلحة وهو ما صرح به دون تسمية تلك الجماعات وزير المالية الأسبق علي عبد الأمير علاوي.  
تتحدث غالبية التقديرات عن أكثر من 500 مليار دينار باعها البنك المركزي في عملياته اليومية المستمرة منذ عام 2003، الأمر الذي وضع الحكومة العراقية ومن ثم البنك المركزي عرضة لضغوط كبيرة من البنك الفيدرالي الأميركي والمنظمات الدولية، لتغيير آلية بيع الدولار، خصوصاً مبالغ الاستيراد والتصدير، وجعلها منسجمة مع التطورات المالية والمصرفية في العالم.
وبتهمة تهريب العملة والفساد وتبييض الأموال، أوقف البنك المركزي العراقي بناءً على توصية وزارة الخزانة الأمريكية أربعة مصارف عراقية وهي (الأنصاري، والشرق الأوسط، والقابض، وآسيا) والذي كانت تحصل على نصف مبيعات البنك المركزي يوميا، مع تشديد الرقابة على المصارف الـ 35 المشاركة في مزاد بيع العملة، لأن الأمر بدا يتعلق بسمعة البنك المركزي والثقة الدولية به، وهو ما أثّر بشكل كبير على مبيعات الدولار وأدى إلى حصول شحّ في السوق تسبب بتراجع قيمة الدينار العراقي.
 
أوجد البنك المركزي وبالشراكة مع البنك الفيدرالي الأمريكي في الآونة الأخيرة نظام مراقبة الكتروني تجريبي يدعى (المنصة) كنافذة لبيع العملة وسيتم تفعيله بشكل دائم مع بداية العام  2023، بالتنسيق مع الجهات الدولية لغرض أحكام وتنظيم عمليات نافذة بيع وشراء العملة الأجنبية وتضمن فاعلية الرقابة عليها، ويعمل نظام (المنصة) على مبدأ رفع المصارفُ المجازة إليه طلبات الشراء باسم أشخاص، ويتم النظر بالأسماء على مدار أسبوع بعدها يحسم البنك موقفه قبل يوم من موعد مزاد بيع العملة المقدم للشراء فيه، تقول مصادر مطلعة أن الطلبات المرفوضة لبيع الدولار خلال الأسابيع القليلة الماضية بلغت 40% بسبب عدم تطابقها مع الشروط التي فرضها نظام (المنصة) الرقابي.
فرض البنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي تعديلات على إجراءات الحوالات التي تمر بنظام سويفت، والتي تضم تدقيقا لمصدر الأموال وحتى المستقبل النهائي، وهو ما جاء بعد تكشف تفاصيل ما عُرف بـ"سرقة القرن" والتي تقدر مصادر المبالغ المسروقة 2.5 مليار دولار، فوضع البنك الفيدرالي الأميركي شروطا مشددة في الآونة الأخيرة تلزم بعرض قوائم بالدولار المباع عليه تتضمن أسماء الأشخاص والجهات المستفيدة ويتم الانتظار 15 يوما لبيان موقفه من سلامة عملية الشراء للطرف مقدم الطلب، وتتوقف عملية البيع في حال اعترض البنك الفيدرالي على اسم معين كونه مطلوبا أو يوجد تشابه أسماء أو وجد شبهة بالهدف من شراء الدولار.
 
كان التفصيل السابق توضيحا للحقيقة الأولى، والتي كشفت تدخلا مباشرا للبنك الأمريكي الذي يسيطر على عمليات بيع النفط العراقي، وبات اليوم يسيطر على حركة العملة الصعبة في الداخل العراقي أيضا، بعد ثبوت تهريب الدولار إلى الخارج لفائدة نظم إقليمية أو جماعات سياسية ومسلحة أو أفراد نافذين، وهو الذي يتغافل عنه الكثير لأسباب توازنات سياسية أو أمنية صريحة.
 
أما الحقيقة الثانية التي لم يتم التصريح عنها أيضا من لدن محللي الأزمة في الداخل، هي أن السبب الحقيقي لارتفاع الدولار وحسب مصادر مطلعة هو أن العراق دفع إلى الإيرانيين الديون المترتبة عليه من استيراد الطاقة وقدره 5 مليار دولار بما يقابله بالدينار العراقي، وأن الإيرانيين بدأوا يشترون الدولار من السوق العراقي، مما أدى إلى زيادة الطلب على الدولار وشحته في السوق، وأنه سينخفض حالما يتم مبلغ الشراء. وما يسند الرأي أعلاه هو ما صرح به بيان البنك المركزي العراقي،  أن هناك (ضغوطات مؤقتة ناتجة عن عوامل داخلية وخارجية أدت إلى ارتفاع سعر صرف الدولار).
 
إن غياب هيكل اقتصادي واضح للدولة العراقية مع غياب سيطرة تامة على اقتصاد السوق وحركة رأس المال، تصعّب من مهمة إيجاد حلول طارئة لضعف العملة المحلية مقابل الدولار لمنع تضرر الشرائح المجتمعية التي تقف على عتبة خط الفقر وما دونه أيضا، ليس غياب النظام الاقتصادي هو السبب فحسب، بل الفساد وهياكله الموازية للدولة تحول دون قيام السلطات بالإجراءات العاجلة لإنقاذ السوق، فمافيات الفساد ابتلعت الدولة وباتت أكبر منها، مما أحدث الضرر الأكبر على حاضر ومستقبل الاقتصاد وفرض نوعا من الحصار الدولي غير المعلن على أموال العراق في الداخل والخارج.