عام 2022… كان شاقاً.. فهل القادم افضل...
كل أعوام العراق كانت أليمة إلا مارحم ربي وقليلة ماهي، ولاسيما تلك التي تلت الاحتلال الغاشم 2003.، فلم تشهد البلاد حربا أهلية طائفية وفرق موت وسقوط مدن بيد مجاميع إرهابية أو حرب ميليشياوية طاحنة وصراع سياسي حاد كاد يودي بالدولة، كما شهدته الأعوام العشرون الأخيرة، ولكن قد يكون العام 2022 قد حوى أغلب تلك المشاهد وتداعياتها المدمرة أو كاد.
يتلخص حصاد العراق للعام 2022 باعتصامات ومظاهرات وإغلاق طرق واقتحام للبرلمان ومؤسسات عامة أُخرى أوشكت ان تحدث انعطافاً حاداً في المشهد السياسي بعد ان بات العراق على شفا حرب أهلية ميليشياوية انخرطت في نزاع حاد مسلح على السلطة، وخلافات سياسية واستقطاب كتلوي دموي بين الفرقاء أسفرت في النهاية عن تشكيل حكومة محاصصة كما نشأت عليه العملية السياسية أول مرة، وكأنك يابو زيد ماغزيت، دون تغيير في اقتصاد مأزوم عانى منه المواطن العراقي، صاحبه هذه المرة هبوط حاد للعملة المحلية أمام الدولار، وكشف سرقات ولصوص وأموال هُربت لا توجد لها إحصائية دقيقة من طرف حكومي سوى ما سُمي بـ"صفقة القرن" من الأموال الضريبية التي تقدر بـمليارين ونصف المليار دولار وربما تزيد...!! الغريب السارق هو المؤتمن على المال !!! مايشير الى خراب فظيع في القيم والاخلاق والانضباط...
شكّلت نتائج انتخابات أكتوبر/تشرين الأول العام الماضي المبكرة صدمة هائلة للقوى السياسية المقربة من إيران، ودفعتها لاتخاذ مواقف التصعيد والتشكيك، لقطع الطريق أمام التيار الصدري الذي خرج حينها بأكبر النتائج متمثلة بـ73 مقعداً في البرلمان. وعند منتصف يناير/كانون الأول 2022 كان مجلس النواب قد عقد جلسته الأولى على ضوء تلك النتائج، حيث تم فيها التصويت على تجديد الثقة برئيس البرلمان وانتخاب نائبيه على وقع تشابك بالأيدي بين أطراف من الإطار وأتباع للتيار الصدري.
شهد الصراع السياسي بين طرفي التيار والإطار الشيعيين عدة أوجه ومستويات، بدء بمرحلة الاعتراض على نتائج الانتخابات والطعن بمخرجاتها في مؤسسة المحكمة الاتحادية، والدخول في صراع تفسير وتأويل النصوص الدستورية التي باتت سمة من سمات الحياة السياسية في أعقاب كل انتخابات وفي صدارة الجلسات، والذي أفرز واقعا معقدا لانتخاب رئيس للجمهورية الأمر الذي أدى إلى نشوب حركة احتجاجات واسعة للتيار وأتباعه واعتصامهم داخل المنطقة الخضراء وشلهم للسلطة التشريعية، بمقابل حركة تظاهرات واعتصامات واسعة للإطار وجمهوره في جهة مقابلة للمنطقة الخضراء.
انتهت أزمة الإطار والتيار التي كادت تودي بالبلاد إلى شفا حرب فصائلية دامية، حين استقال نواب الكتلة الصدرية من البرلمان بقرار مفاجئ ثبت لاحقاً انه غير مدروس مما منح الإطار حق استبدال النواب والحصول على مكسب الكتلة الأكبر وتشكيل الحكومة وفرض قواعد جديدة على الشركاء الآخرين، ولا يمكن وصف قرار التيار غير أنه خطأ العمر !!!!!!! أفقد التيار وشركاءه زمام المبادرة ومنح الإطار السلطة على طبق من ذهب دون شروط ولا مقايضة...!! بل ترك الحبل على الغارب وعاف الجمل بما حمل وتعذر على الجميع تفسيرالقرار حيث عجز المنطق !! لكن ربما جاء كنتيجة تهديد غير مسبوق !! فتمكّن البرلمان بعد تغير خارطة تحالفاته من انتخاب عبد اللطيف رشيد رئيسًا للبلاد كمرشح تسوية بين الفرقاء الكورد، ليكلّف بدوره محمد شياع السوداني من الاطار بتشكيل الحكومة الجديدة بعد نحو عام من الانتخابات المبكرة.
تشكلت في العام 2022 حكومة محمد شياع السوداني، وهي نتاج أول انتخابات مبكرة يشهدها العراق منذ عام 2003، والتي بدا أنها لم تختلف عن سابقاتها في منهجية تشكيل الحكومة وتسمية الوزراء وبالتالي طريقة إدارة الدولة، فالمحاصصة والأوزان الانتخابية فرضت نفسها بقوة بعد الازمة العاصفة بين الإطار والتيار، ولكن بدا في بعض سلوكياتها أنها حكومة "تحسين السمعة" للطبقة السياسية المتهمة بالفساد والفشل وبعد قطيعة أبدتها غالبية الشعب للانتخابات المبكرة.
في الجانب الاقتصادي، الدينار العراقي يشهد تراجعًا غير مسبوق أمام الدولار الأمريكي، وسط ارتفاع مستمر لأسعار السلع في الأسواق المحلية، ويعزو خبراء الاقتصاد التراجع إلى أسباب عديدة، من بينها القيود التي فرضها البنك الفيدرالي الأمريكي على عدد من البنوك المحلية المتهمة بتهريب وغسيل الاموال، وكذا على بيع العملة الصعبة في ما يسمى "مزاد بيع العملة" و قد ثبت انه أحد أبواب تهريب أموال نفط العراق إلى الخارج، ومنها أيضا انخفاض المعروض للبيع من الدولار من قبل البنك المركزي بشكل يومي عبر نافذة بيع العملة، ومن ثم انخفاض المباع من الدولار للتحويل الخارجي، الأمر الذي تسبب في طلب كبير عليه لأغراض التحويل، وهذا انعكس سلباً على سعر الدينار العراقي امام الدولار في السوق.
من جهة اخرى، كشف مدققون اختفاء مبلغ ضخم من الامانات الضريبية تم نتيجة اختلاس ساهم به موظفون عموميون وشبكة من الشركات تم من خلاله سحب نحو 2.5 مليار دولار من مصلحة الضرائب في البلاد لدواعي مشبوهة، الأمر الذي كان بمثابة فضيحة ليس لحكومة السوداني فحسب بل للعملية السياسية العراقية برمتها، وكان العراق تحكمه مافيات عصابات، كما كنا نشاهد ونسمع من خلال افلام هوليوود حول الاحوال البائسة في نيويورك مطلع القرن الماضي، الفضيحة هي الاولى لكن ربما لن تكن الفضيحة الأخيرة، ولكنها بطبيعة الحال تمثل اختبارا مبكرا لحكومة محمد السوداني التي تشكلت بعد أزمة سياسية طويلة الأمد، والذي أعلن أن المبلغ سيسترد تباعا وأن كشف القضية بأبعادها التفصيلية ستتم لاحقا.
لن يكون العام الحالي 2023 بأفضل حال مما كان عليه العام 2022، فالخلافات على السلطة وتقاسمها لم تحسم بعد مما يهدد بشكل عملي وحدة الائتلاف الحكومي المُشكل لها، كما أن الوضع الاقتصادي دوما مهدد لارتباطه بأسعار النفط مع غياب هيكلية اقتصادية متينة تحمي البلاد من أي تلكؤ في أسعار النفط، مع توقعات بموجة ركود عالمي لن ينجو منها العراق وستكون ارتداداته عليه كبيرة، ناهيك عن تدخلات سافرة في ثروة العراق من جانب دول بعضها مجاورة طامعة واخرى حاقدة ما ضمرت يوما خيرا للعراق وشعبه.

