رأي تجديد

المشهد العراقي وملامح التغيير

 شهدت البيوتات السياسية في العراق خلال الابام القليلة الماضية هزات متباينة على مقياس الخلافات البينية بين الفرقاء والشركاء المتشاكسين، تجاه قضايا كانت مركز تلك الهزات يمكن وصفها أنها حيوية وحساسة إلى درجة تنبئ بدخول الحياة السياسية بارتباك مرتقب يؤسس لملامح تغيير في الأفق.
في البيت الشيعي فجر رئيس الوزراء محمد شياع السوداني مفاجأة بتصريح خاص لصحيفة وول ستريت جورنال، أعرب فيه عن تأييده لبقاء القوات الأميركية في العراق لأجل غير محدد، الأمر الذي أثار حفيظة الفصائل المسلحة وممثلياتها السياسية، لاسيما وأن كلا الطرفين -السوداني والفصائل- قد أكدوا أن الحكومة الحالية هي حكومة الإطار وأن السوداني هو مرشح الإطار، مما أدخل الحاضنة السياسية للحكومة بحرج أمام الرأي العام يتعلق بشعارات الثأر لسليماني والمهندس وإخراج القوات الأمريكية.
أثار أيضا السوداني قبل ذلك التصريح حفيظة الجماعات السياسية العراقية الموالية لإيران، حين أكد على هوية الخليج العربي على الرغم من استياء إيران من التسمية والتحرك رسميا عبر شكوى في المؤسسات الكروية الرسمية لمنع استخدام اسم (بطولة الخليج العربي)، ولوحظ حينها أن المغردين على المواقع التواصل الموالين للإطار التنسيقي قد تغيرت لهجتهم تجاه محمد السوداني وبدأوا يوجهون سهام النقد للحكومة وبعض ممارساتها السياسية.
لا يخفى أن الخلاف على المناصب الأمنية الاستخبارية قد فجر خلافا مبكرا بين دولة القانون وحركة العصائب، و اندلعت حرب إعلامية مبكرة بين الطرفين، ربما استفاد منها السوداني في تسمية مقربين له بالوكالة لإدارة تلك المؤسسات لحين تسوية الخلاف أو تهدئته تفادياً لعاصفة، ولكن بكل الأحوال هو ينبئ أن هناك أكثر من قضية لم تزل محل خلاف بين أطراف الإطار و هذا يوحي بأن مستقبل الكتلة السياسية المساندة للحكومة على المحك.  
لا يمكن التغافل عن قرار عودة صلاة الجمعة للصدريين في مثل هذا التوقيت بالذات، بعض المصادر تتحدث عن خشية إطارية صريحة من تنسيق تحت الطاولة بين السوداني والصدر لإعادة التوازن الذي خسره الصدريين، وهو ما يفسر سكوت الصدر عن بعض مواقف السوداني  في مواضيع حساسة  لا تصريحاً ولا تلميحاً وكان هو في العادة اول من يتصدى لها، مثال الوجود العسكري الامريكي في العراق. 
سُنيا … يتركز الصراع على مفصلين حيويين يمكن القول معهما أن الواقع السياسي أيضا مقبل على اختلال في داخل الكيانات السنية، المفصل الأول يتعلق بإخلال معهود من لدن الفاعل السياسي الشيعي بالاتفاقات السياسية المؤلِفة للحكومة والمسماة "ورقة تحالف إدارة الدولة" وفقراته المتعلقة بعودة النازحين وتشريع قانون العفو العام وإعادة إعمار المدن المحررة، حيث بدأت أطراف في التمثيل السياسي السني بالحديث عن عدم وجود أي تقدم في سياق تلك المطالب والاتفاقات، الأمر الذي دفعهم نحو التهديد بانفراط عقد التحالف، ولكن بطبيعة الحال فإن الانسحاب من الاتفاق من عدمه لن يخل بواقع الحكومة ومستقبل محمد السوداني، وإنما يؤثر في سياق العملية التشريعية لاسيما وأنها مقبلة على قوانين حيوية كالموازنة العامة للبلاد وانتخابات مجالس المحافظات والعامة.
المفصل الثاني المتعلق بالخلاف البيني داخل الكيان السني وتحديدا "السيادة" الذي قد تعرض إلى هزات مختلفة، منها إقالة النائب ليث الدليمي بعد تحريكها من لدن رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، وانسحاب النائبين رعد الدهلكي وفلاح الزيدان من تقدم، وهذا الأمر سيخل بلا شك بميزان القوى ما بين السيادة وعزم المتنافسين على زعامة المكون وصدارة مناصبه.
كرديا … فقد كان رئيس حكومة إقليم كوردستان العراق مسرور بارزاني غاية الوضوح والجرأة في وصف طبيعة الإشكالية الإدارية بين أربيل والسليمانية أو بالأحرى ما بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني … وأبرز ما ذكر في كلمته هو
مسرور بارزاني: حدثت مشاكل عدة بشأن جمع الإيرادات وخلو المصارف من الأموال النقدية في السليمانية وكرميان وحلبجة ورابرين
مسرور بارزاني: لم يُسمح بإعادة تنظيم قطاع المنافذ الحدودية في السليمانية وكرميان وحلبجة ورابرين وتتحمل قيادة الاتحاد الوطني مسؤولية الوضع هناك
مسرور بارزاني: قرر مجلس الوزراء إرسال قوات مشتركة إلى المنافذ الحدودية لكن الاتحاد الوطني منع ذلك مهدداً بالحرب الداخلية
إن تنامي الصراع ما بين السليمانية وأربيل أو البارتي واليكتي، لن يبقيها في إطارها الإداري، لاسيما وأن هناك أطرافا في بغداد تغذي الصراع وتستخدمه في بعض الأحيان للضغط على أربيل لتحقيق أهداف سياسية، وفي كل الأحوال سينعكس ذلك التنازع حال تصاعده على الوضع السياسي في المؤسسات الاتحادية النيابية والحكومية، وسيكون جزءً من تغيير محتمل للمشهد.
كل السيناريوهات وإن اختلفت في التفاصيل، تؤكد أن هناك سلسلة أحداث مرتقبة في العراق تنبئ برسم مسار جديد، قد ينطلق مع اختتام بطولة الخليج العربي. والايام حبلى بالاحداث...