رأي تجديد

زلزال تركيا وسوريا...الحدث والدرس

في السادس من الشهر الجاري وبالساعة الرابعة فجرا تعرض جنوب تركيا وشمال غرب سوريا، ولاية قهرمان مرعش وغازي عينتاب وهاتاي و ملاطية وانطاكيا...الى زلزال مدمر ربما هو الاعنف منذ قرون، اذ بلغت شدته ٧,٧ اعقبه آخر بعد ساعة زلزال اخر بقوة ٧,٦ على مقياس ريختر، تبعه مئات الهزات الارتدادية ما اوقع خسائر جسيمة في الارواح والابنية والخدمات، حتى اللحظة تجاوز عدد القتلى في تركيا ٣٥ الف وعدد القتلى في سوريا ٦ آلاف تقريباً مع آلاف الضحايا من الجرحى، وفي تركيا تقدر السلطات ان 50 الف مبنى ينبغي هدمه، اضافة الى ٧ آلاف بناية هدمت فعلاً بفعل الزلزال. 

بين ٢٠-٣٠ مليون انسان تأثروا بالزلزال بشكل او بآخر، كما تعرضت عشرة ولايات للزلزال الذي امتدت ارتداداته لدول المنطقة بل لأقاصي الارض. 
ورغم ان هناك احداث زلزالية في العالم تجاوزت شدتها ما تعرضت له تركيا وسوريا فان كلفة الزلزال المتوقعة تعتبر واحدة من الاكثر كلفة من بين خمس زلازل تعرضت لها في العصر الحديث كل من اليابان والولايات المتحدة والصين ونيوزيلاند. 
والكلفة قد تتجاوز العشرين مليار دولار او ربما اكثرمن ذلك بكثير اخذين بنظر الاعتبار ان المنطقة التي تعرضت في تركيا وسوريا تعتبر من اهم المناطق الصناعية، وفي تركيا تبلغ حصة المناطق المنكوبة من الناتج القومي الاجمالي حوالي ٩,٣ ٪؜ اي مايعادل ٧٦ مليار دولار كما ان هذه المناطق تسهم بـ ١٤٪؜ من الناتج الزراعي و ١١,٢% من الناتج الصناعي و ٨,٥% من اجمالي الصادرات التركية. لقد توقفت الصناعة في غازي عين تاب بالكامل وتعطلت حياة الناس. 
تعامل الرئيس اردوغان مع الحدث ليس فقط كانسان بل كرجل دولة من الطراز الاول، ويحسب له تجنيد طاقات الدولة المختلفة مدنية وعسكرية، مادية وبشرية، حكومية واهلية وزجها بالحدث من الساعات الاولى من اجل تقليل الخسائر والاضرار وتخفيف المعاناة على المنكوبين، و سوف لن ينسى الشعب التركي الوقفة المشرفة لبقية المحافظات بل والمرافق السياحية ودور سكن الطلبة الجامعيين والثكنات العسكرية بل والمساجد والمعاهد الدينية والصالات الرياضية والتي افرغت من ساكنيها لتستضيف العوائل المنكوبة، واغلب ماجرى تطوعاً، وهو الذي ترافق مع حملات التبرع التي تنادت اليها المنظمات الانسانية والشخصيات العامة، حيث تبرع رجل اعمال لوحده ب ٣٠ مليون ليرة اي مايعادل اكثر من مليون ونصف مليون دولار. 
نموذج في ادارة الكوارث جعل من تركيا مدرسة لشعوب العالم، حري بنا نحن في العراق ان نتعلم منها تحسبا لاي طارئ او حدث مشابه لاسمح الله.. 
من جانب اخر، المنكوبون في سوريا واجهوا تحدي ثلاثي الابعاد، الزلزال والطقس… لكن الاشد عليهم كان النظام الذي لم يسمح بمرور المساعدات والمعدات الا بعد اسبوع من الزلزال خلالها كانت الفرق التطوعية تزيل الانقاض بحثا عن ناجين باياديها العارية ما ضاعف من عدد الضحايا. 
تعاملت الدول العربية والاسلامية بمسؤولية مع الحدث وكان في المقدمة دول قطر تليها العربية السعودية، كما ساهم العراق ايضا في الجهد الاغاثي وهذا موقف يحسب لحكومة السوداني، اما البعض ففضل التعامل مع نظام بشار حيث لم تصل الامدادات لمستحقيها الا مارحم ربي والغالبية استولى عليها النظام ووجدت طريقها للاسواق. 
اما الغرب فتعامل ببخل شديد كتب عنه الكاتب ديفيد هيرست الذي قارن تبرعات الدول الاوربية وحتى الولايات المتحدة لمنكوبي الزلزال مع تبرعاتها للحرب الاوكرانية بانه مخجل، ويعبر عن تخلي الغرب عن عن قيمه الاخلاقية واهليته في قيادة العالم. 
ومهما كان المساعدات فانها لن تغطي الا قدرا يسيرا من الحاجة الفعلية، والانسب هو التهيئة من الان لمؤتمر دولي للمانحين. 
الزلزال مع انه احيى في النفس القيم الانسانية والنوازع الطيبة التي جبل عليها الانسان فإن هذه الكارثة ستعاني منها تركيا دون شك اقتصاديا وربما اجتماعيا لسنوات قادمة، كما انه حتى الان لااحد يستطيع تحديد انعكاسات الزلازال سياسياً وعلى وجه الخصوص على انتخابات مايس القادمة رغم ان تعاطي حكومة الرئيس اردوغان كان محل ثناء الجميع واقترن ذلك بتقدير منظمة الامم المتحدة التي اعتبرت ردة الفعل كانت استثنائية بامتياز. 
واضافة للانعكاسات في مجالات الحياة الاخرى، فقد كانً للحدث انعكاساته الدينية والعقدية، وانتهز البعض من المغرضين التسخط على الذات الالهية والتشكيك بما هو ثابت لدينا و معلوم من الدين بالضرورة.
بينما نحن امة مرحومة تصبر عند البلاء و تشكر عند الرخاء ولا تقول الا مايرضي ربنا مالك الملك، الرؤوف الرحيم، إنّا لله وإنّا اليه راجعون …
 ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155 - 157].

نختم بالدعاء… الله ارحم الضحايا واحتسبهم شهداء وعجل في شفاء الجرحى والمصابين، اللهم اجعل ديارنا امناً، سخاءا، ورخاءاً …يا ارحم الراحمين يا الله.