دبلوماسية الكوارث واثرها في العلاقات الدولية
تمر الدول والنظم السياسية بأزمات إنسانية وكوارث طبيعية، تكون ملزمة في ظلها إلى تحرك سريع لإنقاذ الضحايا وعلاج الجرحى وإعادة الإعمار وتخفيف كافة أشكال الضرر اجتماعيا واقتصاديا ونفسيا وغيرها من تداعيات الكوارث والأزمات، فتنشط عدة مصطلحات عقب ظهور الأزمات مثل: دبلوماسية الأزمة، ودبلوماسية الكوارث، دبلوماسية الإغاثة، كسياق مغاير للمصطلحات الدبلوماسية التقليدية المتبعة في العلاقات الدولية ما بين النظم والجماعات والأفراد.
لم تعد النكبات قاصرة على الكوارث الطبيعية مثل الحرائق والزلازل والبراكين والفيضانات والجفاف، بل شملت أيضا الانقلابات والحروب الأهلية وانتشار الأوبئة. ولذلك، تنوعت الأنشطة والأعمال التي يمكن أن تقوم بها الدول، والمساعدات التي تقدمها خلال تلك الكوارث بهدف بناء علاقاتها مع الشعوب التي تكون أكثر حساسية خلال فترات الكوارث.
إن تنامي هذا النوع من الفعاليات الدبلوماسية في وقت الأزمات والكوارث يتطلب تأهيل خبراء قادرين على إدارة عمليات التخطيط وتوظيف إمكانيات الدولة في تقديم المساعدة للدول المنكوبة، وتسهم في مساعدة المؤسسات على تخفيف الضرر في تداعيات ما بعد الكارثة.
يركز المفهوم الجديد -دبلوماسية الكوارث- في العلاقات الدولية، على كيفية فاعل الدولة أ مع الدولة ب أثناء حصول الكارثة أو النكبة مثل الزلازل والحرائق وانتشار الأوبئة، لتقديم المساعدة والإغاثة الإنسانية، وتقديم الخبرة، والتكنولوجيا التي يمكن أن تقلل من آثار الكارثة، أو تمنع وقوعها أو توقفها.
ضرب زلزال صنف أنه الأعنف في تاريخ تركيا في 6 فبراير 2023، هز 10 محافظات ووصل أثره إلى أغلب دول الجوار وأشدها في سورية، ونجم عنه خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات، وعلى أثر ذلك ردد وتداول العديد من الباحثين مصطلح "دبلوماسية الكوارث" وأثره في العلاقات الدولية، وكيف استطاعت تركيا أن تصبح مركز إغاثة عالمي مع العديد من الدول حتى التي لها خصومة أو برود بسبب خلافات سياسية واستراتيجية في علاقاتها الدبلوماسية مع أنقرة.
قدمت الدول الكبرى والإقليمية بشكل عاجل مساعداتها لتركيا، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا، ودول الاتحاد الأوروبي وعلى رأسها اليونان والسويد، فضلاً عن التضامن والدعم العربي والإقليمي مثل دول الأردن، مصر، الجزائر وغيرها، من هنا يمكن ملاحظة أثر دبلوماسية الكوارث على علاقات تركيا بدول كانت تعيش حربا إعلامية مع أنقرة حول ملفات خلافية عدة.
خفضت "دبلوماسية الكوارث" وحجم المساعدات الإنسانية الدولية المقدمة من دول عدة لتركيا، من حدة التوترات والخلافات بين تركيا وقوى دولية وإقليمية، حول ملفات هامة كالعمليات العسكرية في سوريا والعراق، والموقف من الأزمة الأوكرانية الحالية، وتعليق الموافقة على انضمام السويد وفنلندا للناتو، ولكنها بالمقابل لم تجد حلا للمشكلات الرئيسية العالقة ما بين تركيا وتلك البلدان، كما أن بعض المساعدات الإنسانية التي قُدمت للمنكوبين من جراء الزلزال لا تضاهي المساعدات العسكرية المليارية المقدمة لأوكرانيا في حربها مع روسيا، وهذه مفارقة تم تشخيصها في عديد المقالات والأبحاث.
يمكن وصف المساعدات العربية العينية والإغاثية المقدمة لتركيا من لدن قطر والسعودية والإمارات الكويت بأنها الأكثر فاعلية واستمرارية عن غيرها من المساعدات ودور شعوب تلك الدول فيها عبر الحملات الشعبية، ذلك لطبيعة العلاقات الصحية التي تربط أنقرة مع تلك البلدان، وبلاشك كان الموقف القطري لافتا الذي لم يقف عند حد جسور الإمداد الجوي، بل تعداه إلى زيارة أمير قطر المعنوية للرئيس التركي واجتماعهما في اسطنبول لتقديم كامل الدعم قبالة الأزمة الإنسانية.
تعد دبلوماسية الكوارث من المصطلحات الحديثة نسبيا، والتي ليس لها تعريف جامع متفق عليه، بقدر ماهي مجال أكاديمي يبحث في آلية تعامل وتأثير الكوارث على العلاقات بين الدول. كما توصف بكونها "دبلوماسية تتحرى كيف ولماذا تؤثر الأنشطة المتعلقة بالكوارث على الصراع والتعاون". ومن ثم فإن دبلوماسية الكوارث معنية بكل أشكال النزاعات مع كل الأطراف وفي جميع الأوقات.

