سانت ليغو … العودة إلى احتكار السلطة
ابتُكر نظام سانت ليغو عام 1910 لاحتساب الأصوات الانتخابية وبهدف التقليل من العيوب الناتجة عن عدم التماثل بين عدد الأصوات المعبر عنها وعدد المقاعد المتحصل عليها، وهي طريقة رياضيّة في توزيع أصوات الناخبين على القوائم الانتخابيّة المشاركة، فتقسّم الأصوات على نمط 1.3 تصاعديّاً، حينها تحصل القوائم الصغيرة على فرص أكبر للفوز بمقاعد برلمانيّة، وكلّما ارتفع القاسم الانتخابيّ 1.6 أو أكثر، قلّت فرص تلك القوائم وزادت مقاعد الائتلافات الكبيرة، وهذا العيب الذي تستفيد منه الأحزاب الكبيرة على حساب الأحزاب الصغيرة في نموذج الانتخابات العراقية. تجدر الإشارة إلى أن نظام سانت ليغو لم يطبق في العراق فحسب، بل طبق في العديد من التجارب الانتخابية أبرزها النرويج والسويد وكندا.
يشهد العراق جدلا سياسيا ونيابيا وشعبيا حول اعتماد نظام انتخابي جديد عبر ما طرح إزاء القراءة الأولى لتعديل ثالث لقانون انتخابات مجالس المحافظات رقم (١٢) لسنة ٢٠١٨ داخل مجلس النواب يكون مدخلا لتعديل قانون الانتخابات البرلمانية رقم (٩) لسنة ٢٠٢٠ بالاستناد الى ما قررته المحكمة الاتحادية بقرارها ١٥٩ اتحادية لسنة ٢٠٢١، إذ أوجبت حصول تدخل تشريعي من قبل مجلس النواب الحالي لتعديل قانون الانتخابات النيابية واعتماد نظام العد والفرز اليدوي بدل الالكتروني ووضع نظام انتخابي ينال ثقة الجميع عن طريق تشريع القوانين الموجبة لذلك، ما يعني ان القانون اعلاه يجب ان يعدل او يغير وهذا بحد ذاته سيثير جدل حول المتمسكون به والرافضون له.
يستعد البرلمان العراقي إقرار قانون انتخابات “مجالس المحافظات” المؤجل منذ سنوات، والذي طرأت عليه تعديلات أخيرة، ينظر إلى أنها عودة إلى قانون “سانت ليغو” حيث كان العراق يعتمده في الانتخابات النيابية منذ العام 2014، والذي كان أحد أسباب اندلاع الاحتجاجات الشعبية لعدة مرات، آخرها تلك التي اجتاحت الشارع العراقي وأطاحت بحكومة رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي الذي أُجبر على تقديم استقالته في العام 2019، بضغط جماهيري واسع.
تحاول القوى التقليدية استغلال غياب الكتلة الصدرية في مجلس النواب لإعادة التوازن لمجلس النواب عبر تضييق مجال فوز النواب المستقلين والقوائم الفردية اضافة الى عودة الوزن الانتخابي للصدريين وفق نظام التمثيل النسبي بما لا يتجاوز ما كانوا يحصلون عليه (ان لم يكن اقل) في الدورات السابقة لاعتماد نظام اعلى الاصوات في الانتخابات المبكرة الاخيرة، اضافة الى تحجيم وجود المستقلين في مجالس المحافظات مع الصدريين ان قرروا المشاركة فيها.
كما تسعى القوى المتضررة من الانتخابات السابقة جاهدة إلى اعتماد قانون جديد يتلاءم وتطلعاتها، حيث يجري العمل أيضا على دمج قانون “مجالس المحافظات” مع قانون انتخابات “مجلس النواب”، وذلك بعد تعديل 16 مادة في القانون بحسب تصريحات نيابية، فضلا عن إلغاء الدوائر المتعددة والعودة إلى اعتبار كل محافظة دائرة وذلك وفق ما كان معتمدا في قانون “سانت ليغو”، مما يؤشر مخالفة صريحة للمواد 49 و 122 من الدستور العراقي.
يعتبر التيار الصدري إصرار الإطار التنسيقي على العودة للقانون السابق "سانت ليغو" استهدافاً انتخابياً له، فمن المرجح أنه لن يسمح بتشريع القانون، وربما سيكون الضغط الشعبي هو الوسيلة للإبقاء على الدوائر المتعددة في قانون الانتخابات الجديد، كما حصل ذلك في سنة 2019.
من الوارد أن يتراجع من طرفه الإطار التنسيقي عن نظام سانت ليغو، من أجل عدم استفزاز الصدريين في هذا التوقيت، لما لذلك الاستفزاز من تداعيات محتملة على حكومة محمد شياع السوداني، وبالتالي قد يتحول القانون الانتخابي إلى ورقة تفاوضية ما بين الإطار والتيار تتلخص بفكرة (التنازل عن قانون الانتخابات مقابل ضمان استقرار الحكومة خلال المرحلة المقبلة وإكمالها فترة أربع سنوات)
شعبيا يمثل إنّ اعتماد صيغة قديمة في تقاسم أصوات الناخبين وقناعة الناخب بأنّ مشاركته لن تحقّق التغيير المطلوب، خصوصاً في مناطق الوسط والجنوب حيث الاحتجاجات والمطالبة المستمرّة بالإصلاح السياسيّ والاقتصاديّ، سيؤدّيان بالضرورة إلى مقاطعة واسعة للانتخابات المحليّة المقبلة، وربّما ستقتصر على مشاركة "الجمهور الحزبيّ" أو المتحزّب مع هذا الطرف أو ذاك، وأيّ تغيير تفرزه الانتخابات المقبلة من شأنه فرض معادلة سياسيّة جديدة أو صدام عنيف بين المكوّنات المختلفة.

