تمرد فاغنر….. يقرع ناقوس الخطر
عاش الاتحاد الروسي ساعات قلقة للغاية، بل كتم العالم اجمع أنفاسه للحدث غير المتوقع في روسيا، حيث انقلبت منظمة فاغنر على القيادة العسكرية وتمردت على قراراتها وهددت باحتلال موسكو، بل وتقدمت فعلا، واحتلت القيادة العسكرية في مدينة روستوف جنوب موسكو وتقدمت نحو العاصمة موسكو حتى وصلت الى مشارفها، تطور ملفت، بل صادم.
فاغنر …شركة أمنية تستهدف الربح "مرتزقة" نمت وترعرعت ونشطت خارج سياقات القوات المسلحة الروسية المنظمة، بل أصبح من العادة تكليفها بالاعمال الأمنية التي توصف على نطاق واسع بأنها " قذرة " وهو ماقامت به في سوريا والسودان وليبيا وأخيراً في أوكرانيا امثلة، فاغنر لاتختلف عن بلاك ووتر الامريكية سيئة السمعة واعمالها القذرة المعروفة في العراق.
من المعروف والمشاع ان منظمة فاغنرحظيت بدعم ومساندة رأس النظام الرئيس فلاديمير بوتين، وهنا تكمن الغرابة في انقلاب رأس المنظمة يبغيني بريغوجين الذي لم يخرج عن طاعة وزير الدفاع ورئيس الأركان فحسب، بل تحدى راس النظام بوتين في سابقة غير مألوفة ولا متوقعة.
قبل اعلان التمرد اشتكى بريغوجين من قصور الدعم اللوجستي ولا سيما العتاد من طرف وزارة الدفاع، ثم صعّد في النقد حيث اتهم القيادة العسكرية الروسية بالاخفاق في إدارة الحرب على أوكرانيا، بل اتهمها في النهاية بأنها استهدفت وقتلت الالاف من قواته، عجز عن تقديم الدليل على مزاعمه وهو ما أثار الشك في مواقفه وتصريحاته!! الامر الذي دفع الدوائر الإعلامية في الغرب للنظر للتمرد وكأنه مفتعل لاسباب تتعلق بأمن العمليات العسكرية التي قيل بأن الرئيس بوتين بات بأمس الحاجة اليها لكشف غير الموالين له من كبار الضباط الذين ربما يتهمهم بوتين بانهم وراء إطالة أمد الحرب التي كان مخططا لها وقتاً أقصر ، لكن يبقى ذلك مجرد احتمال ، ذلك لان تداعيات التمرد – ان كان حقيقياً او مفتعلاً – يمكن ان تكون جسيمة ، ان في تردي سمعة ثاني اقوى جيش في العالم ، او ، ميدانياً في التأثير في معنويات المقاتلين الروس وقد وجهت فاغنر اتهامات قاسية للقيادة العسكرية الروسية حول إدارة الحرب واتهمتها صراحة بالتقصيرالواجب التحقيق والمحاسبة ، ولا أحد يعلم ان كان ذلك قد حصل أم لا.
لنأخذ الاحتمال الأرجح وهو ان التمرد كان حقيقياً ومبررا من وجهة نظر بريغوجين… وإن خلافه مع القيادة العسكرية واقعي وليس مفتعل وانه فعلا كان في تمرده يستهدف المؤسسة العسكرية التي يرأسها بوتين، فهل ندم بوتين على صناعة منظمة شبه عسكرية عمادها المرتزقة ورواد السجون والباحثون عن المال بأية وسيلة، ودعمها للمستوى الذي تشكل فيه تحدياً وتصبح فيه منافساً قويا للجيش النظامي سواء في القرار أو في المسؤولية ؟ ما يشكل تهديدا للأمن الداخلي. اثبتت التجارب ان اعتماد الدولة على نوعين من القوات المسلحة، احدهما نظامي مهني والأخرمدني غير نظامي ولا مهني انما مرتزق مستعد دون حرج ان يرتكب من الاعمال القذرة والخطايا مايتعذر على الجيش النظامي الزج بنفسه فيها، ان هذا النمط يشكل خطرًا على الامن الوطني لاحقاً خصوصا متى خضعت كلتا القوتين الى قيادات مستقلة، وهنا مكمن الخطر!!
في الواقع هناك أكثر من سبب يدعو المنظمة المسلحة غير النظامية وهي لاتختلف عن المليشيات للخروج عن طاعة وزارة الدفاع او الأركان العسكرية، ان بسبب نوعية افرادها، تأهيلهم وتدريبهم واعدادهم للقتال، او بسبب اختلاف القانون والضوابط التي تخضع لها إدارية او عسكرية، او لسبب البعد العقائدي الذي تبنى عليه تلك المنظمة! والذي قد يتقاطع مع تقاليد وعقيدة الجيش العسكرية لذلك بذور التمرد موجودة في بنية القوات غير النظامية / المليشيات وستبقى حية وجاهزة للخروج على الشرعية في اول فرصة تتاح لها. ما حصل لم يكن الحدث الأول في سجل المليشيات حول العالم، ما يجري في السودان منذ أسابيع يندرج في هذا الاطار، ولا ننسى تجربة المقاومة الشعبية في زمن عبد الكريم قاسم، كما لا ننسى تجربة الحرس القومي بعد انقلاب 8شباط عام 1963 وما سمي بعد ذلك بالحركة التصحيحية في 18 تشرين . لكن الأكبر تأريخياً وربما الأخطر كان تمرد فاجنر على الرغم من قصر مداه وتلاشيه بسلام دون دماء.

