ألمانيا: قطاع صناعة الكيميائيات يشهد أزمة تهدّد استمراره … وأكبر شركاته تراهن على السوق الصينية
لطالما ظنّ توماس كادوفسكي أنه سيستمر في العمل حتى سن التقاعد في مصنع الطلاء الاصطناعي الألماني حيث يقود فريقا منذ أكثر من 30 عاماً، غير أن المجموعة المالكة أبلغته قبل أشهر أنها ستغلق المصنع وسط تغيّرات في أسعار موارد الطاقة.
في آذار/مارس، تلقّى كادوفسكي (58 عامًا) اتصالًا تبلّغ فيه أن مجموعة «ألنيكس» الألمانية المالكة للمصنع ستغلق الموقع الذي تأسس قبل 90 عاما ًفي مدينة هامبورغ.
ويقول لوكالة فرانس برس «صُدمت تماماً».
ومع إغلاق المصنع العام المقبل، سيخسر كادوفسكي و130 عاملاً آخر وظائفهم.
وعزت الشركة قرارها إلى «تغيّرات طرأت أخيراً على أسعار الطاقة»، مما ينعكس سلباً على قطاع الكيميائيات الألماني.
ويُعدّ إغلاق هذا المصنع واحداً من تداعيات الأزمة التي تضرب هذا القطاع الأساسي في الاقتصاد الألماني الذي شهد انكماشاً في بداية العام وركوداً في الربع الثاني وفقاً لبيانات نُشرت أمس الجمعة.
وعلى المستوى التضخمي، تباطأ التضخم الألماني في تموز/يوليو ليسجّل 6.2% بعدما كان 6,4% في حزيران/يونيو، حسبما أظهرت أرقام أولية صادرة عن مكتب الإحصاءات الفدرالي «ديستاتيس».
يقول ماركوس ستيليمان، رئيس مجموعة الضغط «في.سي.آي» التي تمثل 1900 شركة في قطاع الكيميائيات في ألمانيا، «القطاع ينهار».
ويضمّ قطاع الكيميائيات في ألمانيا 466 ألف موظف ويشكّل 5% من إجمالي الناتج المحلي، ويُعدّ أساسياً لاستمرار قطاعات أخرى تشتري منه سلعا وسيطة.
لكن أداء القطاع يسوء منذ أشهر، فقد تراجعت مبيعاته بنسبة 11.5% في النصف الأول من العام، ويُتوّقع تسجيل تراجع بنسبة 14% في العام 2023 بكامله.
ويتراجع أيضاً عدد الموظفين في الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم التي تمثل 92% من شركات القطاع. وفي أيار/مايو، تراجع عدد الموظفين في القطاع بنسبة 0.8% على أساس سنوي.
وفي شباط/فبراير، أعلنت شركة «باسف» لتصنيع المواد الكيميائية أنها ستلغي ثلاثة آلاف وظيفة لديها مع إغلاق عدة وحدات في موقعها التاريخي في مدينة لودفيغشافن (غرب). وأمس الجمعة، تحدثت الشركة عن تراجع بنسبة 76% في أرباح الربع الثاني على أساس سنوي.
وتساهم مجموعة عوامل بشكل تدريجي في تدهور قطاع نجح بشدّة في ألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية.
فقد أدّى بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في شباط/فبراير 2022 وتراجع صادرات الغاز إلى ارتفاع تكاليف الطاقة في أكبر اقتصاد في أوروبا، فيما أُغلقت آخر محطات نووية في البلد.
ورغم تراجعها منذ بلوغها ذروة في آب/أغسطس 2022، لا تزال أسعار الطاقة في ألمانيا أعلى بخمس مرات مما هي عليه في الولايات المتحدة، وأعلى بمرتين إلى ثلاث مرات مما هي عليه في الصين، بحسب مجموعة «في.سي.آي».
كذلك، تراجعت الاستثمارات في القطاع في ألمانيا بنسبة 24% العام الماضي، وتنظر ربع الشركات الألمانية في الاستعانة بشركات خارجية لتهتمّ بإتمام جزء من إنتاجها.
في هامبورغ، ترتفع أعلام نقابة «آي.جي.بي.سي.إي» أمام المصنع.
ويقول كريستيان وولف رئيس لجنة العمّال في «ألنيكس» لوكالة فرانس برس «إن قرار (الإغلاق) لا معنى له، المصنع يعود بربح»
رغم التوترات المحلية، تتفق النقابات والشركات على الدعوة إلى تحديد سقف لأسعار الطاقة للمساعدة في إنقاذ القطاع.
في أيار/مايو، كشف وزير الاقتصاد روبرت هابيك المنتمي إلى حزب الخضر عن اقتراح يسمح بتجميد أسعار الكهرباء حتى العام 2030 للصناعات التي تستهلك أكبر كميات من الطاقة فيما تُكمل ألمانيا انتقالها إلى الطاقات البديلة.
لكن وزير المال كريستيان ليندنر المنتمي للحزب الديموقراطي الحر يعارض هذا الاقتراح بشدّة حتى الآن لأسباب متعلقة بالميزانية.
ويدعو بعض الخبراء إلى التخلص من هذه الصناعات التي لن تكون قادرة أبداً على المنافسة في ألمانيا، والتركيز على قطاعات أقلّ استهلاكاً للطاقة في المستقبل.
ويقول مورتيس شولاريك، رئيس «معهد كييل» للاقتصاد العالمي «الهدف الأساسي للقطاع كما للنقابات هو الدفاع والصون، وليس التغيير والابتكار».
لكن في غياب الكيميائيات، سيخسر الاقتصاد «قطاعاً عالي الإنتاجية كان لسنوات القوة الدافعة للصناعة ككلّ»، بحسب الخبير الاقتصادي في معهد «إيفو» لأبحاث السياسات الاقتصادية تيمو فولمرشاوسر.
ويقول الميكانيكي في مصنع هامبورغ توربن بولدت (26 عاما)ً لوكالة فرانس برس «لن أجد وظيفة كهذه تدرّ علي مالاً جيداً وتوفر ظروف عمل جيدة كهذه»، مؤكداً أنه «سيحارب» ليحافظ على وظيفته.
من جهة ثانية تراهن أ شركة «باسف» الألمانية وهي الأكبر من نوعها في العالم على نمو كبير في أعمالها في الصين.
وقال رئيس مجلس إدارة الشركة الألمانية، مارتن برودرمولر، في تصريحات لصحيفة «راينبفالتس» الألمانية الصادرة أمس الجمعة أن الصين تمثل حالياً 13% من مبيعات المجموعة، موضحاً أن هذا يوازي تقريباً حصة عائدات الأعمال التجارية للمجموعة في ألمانيا، ومشيراً إلى أن المجموعة تهدف بحلول عام 2030 إلى تحقيق حصة مبيعات في الصين تبلغ حوالي 20%.
وقال برودرمولر «العمل مربح للغاية. يشير نمو السوق هناك والأداء الحالي إلى أن باسف ستستفيد أكثر من الأعمال هناك، لذلك قررنا الاستثمار»، مضيفاً أن الصين أكبر سوق للمواد الكيميائية في العالم، حيث يمثل السوق هناك 50% من سوق المواد الكيميائية بالكامل.
وقال أيضاً «وستستمر في النمو، وبسرعة أكبر من أي منطقة أخرى»، موضحاً أن الفرص في هذا السوق أكبر من المخاطر بالنسبة لشركته.
وفي إقليم جوانغدونغ جنوبي الصين، تبني «باسف» موقعاً جديداً ضخماً، والذي من المقرر أن يصبح ثالث أكبر موقع للشركة والثاني من نوعه في الصين. وتستثمر الشركة في هذا الموقع حوالي عشرة مليارات يورو حتى عام 2030.
وكالات

