عرس تحوّل لمأتم في العراق .. حريق يودي بحياة أكثر من مئة واعتقال 9 ولجنة تحقيق
بالدموع والصلوات، ودّع سكان منطقة قرقوش ذات الغالبية المسيحية شمال العراق، بعض ضحايا حريق نشب في قاعة للأفراح والمناسبات في قضاء الحمدانية في محافظة نينوى، ما أدى إلى سقوط أكثر من 200 شخص بين قتيل وجريح، وفيما وجّه رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، بتقديم تعويضات مادية للضحايا، معلنا الحداد لمدة 3 أيام، اعتقلت قوات الأمن 9 أشخاص من إدارة القاعة، التي افتقرت لـ”إجراءات السلامة والأمان”، وفق تصريحات رسمية.
وتحت لوحة للسيد المسيح، وعلى وقع الصلوات، مرّرت النعوش الواحد تلو الآخر نحو المقبرة أمام أنظار المئات من المشيعين، في بلدة قرقوش المسيحية الواقعة في سهل نينوى شرق مدينة الموصل، جاؤوا ليودّعوا بعض ضحايا.
في المقبرة البلدة تجمّع المئات من المشيّعين حول رؤساء الكنائس الذين رددوا ترانيم باللغتين السريانية والعربية. على أكتافهم، حمل رجال النعوش التي لفّ بعضها بالأبيض وزيّنت بالورود، فيما تصدّرت صور الضحايا المواكب، بينهم أطفال.
وسارت النساء جنباً إلى جنب، متكئات على أكتاف بعضهنّ البعض، ذارفات الدموع ومتشحات بالسواد تعبيراً عن هول المأساة.
“دفنا 15 شخصاً”
وأمام المدافن العائلية المرصوصة بعضها قرب بعض، وقف رجال ونساء يبكون بحرقة ويعبّرون بأصوات مرتجفة عن عمق الألم الذي يشعرون به. وركعت امرأة لتقبّل صورة شابة زيّنت بالورود.
وجاءت سميرة شيتو ربّة المنزل البالغة 53 عاماً لدفن 15 شخصاً من أقربائها. وتقول “نحن دفنا 15 شخصاً، من الأب إلى أصغر طفل يبلغ أربع سنوات”.
وتضيف فيما ارتجف صوتها “توفي لنا أيضاً رجل وابنتاه التوأمان، لكن لم يعطونا إياهم بعد”. وتتوقف المرأة بعد ذلك عن الكلام وتتنهد، ثم تسأل “من المسؤول؟ صاحب القاعة الذي لم يؤمن فيها ضماناً؟”.
وتكمل “لم يبق لدينا إحساس، أصبحنا جميعاً بلا إحساس، كلنا ميتون، لا يوجد شخص في قرقوش ليس ميتاً، ولا يوجد شخص لم يفقد شخصاً من أهل وأصدقاء”.
خلال مراسم التشييع، ردّد المصلّون بصوت واحد، صلاتي “أبانا الذي في السماوات” و”السلام عليك يا مريم” ليرتفع بعدها صوت الترانيم من جديد، ويجول المشاركون بنعوش الضحايا المرفوعة على أكتافهم في باحة المقبرة.
“أخرجت جثثاً”
وكان رونق صبيح البالغ 41 عاماً داخل القاعة حين هبّت النيران. ويروي “كان العروسان يرقصان، قبل أن يتمّ تشغيل الألعاب النارية”.
ويضيف هذا العامل بأجر يومي “كان السقف مزيناً بالريش، التقط الريش النيران، وشبّت نيران فظيعة”.
ويكمل أن “أفراد عائلتي سقطوا أرضاً وحاولت أن أسحبهم من بين الناس، وبدأنا نصرخ”.
ويتابع “اتصلنا بالإطفائيات. اتصلنا بكل العالم”، مضيفاً “أنا أخرجت جثثاً، حملتها بيدي، وضعناها في بطانيات، وأرسلناها إلى المستشفى”.
والحادثة التي وقعت في ساعة متأخرة من ليلة الثلاثاء/ الأربعاء، جرت حسب مصادر متطابقة (صحافية وشهود)، عندما أقدم عدد من الحضور على إشعال ألعاب نارية داخل قاعة الهيثم، الأمر الذي أدى إلى اشتعال السقف المصنوع بالأساس من مواد تستخدم في “البناء الجاهز” سريعة الاشتعال.
وطبقاً للمصادر، فإن النيران سرعان ما أشعلت سقف القاعة المليئة بمئات الحضور الذين حاولوا الخروج منها عبر “مخرج واحد”.
وأسهم التدافع في سقوط عدد من الأشخاص، بينهم أطفال، قبل انهيار السقف المحترق فوق الحضور، مما أدى إلى مقتل وإصابة أكثر من 200 نقلوا إلى مستشفيات محافظة نينوى ومدن دهوك وأربيل.
وعقب ساعات قليلة من وقوع الحادث، وصل وزير الداخلية، عبد الأمير الشمري، ووزيرة الهجرة والمهجرين، إيفان فائق، إلى موقع الحادث، استجابة لتوجيهات السوداني.
وأعلن رئيس خلية الإعلام الأمني اللواء سعد معن، أن التقرير الأولي لحادث قاعة الحمدانية، يشير إلى أن الحادث ليس جنائياً وإنما “فقدان لإجراءات السلامة والأمان”.
وتحدث لعدد من الصحافيين قائلاً: “قاعة العرس تفتقد لمواصفات السلامة والأمان”.
وأضاف، أن “الحريق كان بسبب وجود ألعاب نارية، ما أدى إلى احتراق السقف بشكل كبير وانهياره على المواطنين”.
فيما الشمري أكد أن “وزارة الصحة تبذل جهوداً كبيرة في العلاج وإسعاف المصابين فوق طاقتها الاستيعابية، لكن توجد سيطرة من قبل صحة نينوى”، لافتا إلى أن “جميع التعزيزات وصلت من العاصمة بغداد، حيث تم تشكيل لجنة تحقيقية لتحديد ملابسات الحادث، فضلاً عن تشكيل لجنة مشتركة من قبل الاستخبارات والدفاع المدني والشرطة”.
وتوعد “المقصرين بأنهم سينالون جزاءهم العادل”.
وعقب ذلك، أعلن قائد عمليات نينوى اللواء الركن عبد الله الجبوري، القبض على 9 أشخاص من إدارة قاعة “الهيثم”.
وأضاف في مؤتمر صحافي قرب القاعة، أن “كل من أهمل سيتم ملاحقته قضائياً”. وزاد: “حتى الآن تم اعتقال تسعة أشخاص، فيما فر صاحب القاعة، وقد تواصلنا مع وزير داخلية إقليم كردستان ريبر أحمد لمساعدتنا في القبض عليه”.
ووفق مديرية الدفاع المدني فإن “قاعة الأعراس مغلفة بألواح الإيكوبوند سريع الاشتعال والمخالفة لتعليمات السلامة والمحالة إلى القضاء حسب قانون الدفاع المدني، لافتقارها إلى متطلبات السلامة من منظومات الإنذار والإطفاء الرطبة”.
واستنفرت وزارة الصحة الاتحادية جميع كوادرها في دائرة صحة نينوى لإسعاف المصابين جراء الحادث.
وقال المتحدث باسمها، سيف البدر إن “الدعم وصل من جميع المحافظات المجاورة وإقليم كردستان الى دائرة صحة نينوى”، لافتا إلى أن “هناك متابعة للإسعافات الأولية المقدمة للمصابين وحسب نوع الإصابة، حيث بعض الحالات تكون حالتها بسيطة إلى متوسطة وأخرى تكون صعبة تحال إلى المراكز التخصصية”.
وفي العاصمة الاتحادية بغداد، وجه رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بإعلان الحداد العام لمدة ثلاثة أيام على الضحايا.
كما وجّه، الوزارات والمحافظات ومؤسسات الدولة كافة، باتخاذ جملة من الإجراءات العاجلة.
بيان لمكتب السوداني أفاد أن الإجراءات تضمّنت “تواجد وزيري الداخلية والصحة ميدانياً في محل الحادث، لأجل الإغاثة الفورية للمصابين والإشراف على عمليات الإنقاذ وتقديم المساعدة، و”تبنّي الجهات الصحية المختصة علاج الجرحى والمصابين وتوفير أقصى حالات الرعاية، وحسب متطلبات الحالات للعلاج في داخل العراق أو خارجه”.
وأمر رئيس الحكومة بـ”تشكيل لجنة تحقيق تباشر على الفور في التحقيق وكشف ملابسات الحادث، للوقوف على الأسباب وكشف نواحي التقصير، وإعداد الجهات المعنية قائمة دقيقة لضحايا الحادث وذويهم، لضمان حقوقهم القانونية والاعتبارية وتعويضهم مادياً، وإعلان الحداد العام في مؤسسات الدولة كافة، لمدّة ثلاثة أيام، عزاءً في الضحايا ومواساةً لذويهم وأهلهم”.
وأشار أيضاً إلى “استمرار الوزارات والمحافظات كافة، بإجراء الكشوفات للبنايات والتحقق من إجراءات السلامة، وتُحمل الجهات المعنية مسؤولية أي خلل، واستمرار مديرية الدفاع المدني بجميع فروعها في المحافظات، بتأكيد الإجراءات السابقة للكشوفات الميدانية والسلامة الإنشائية، ومضاعفة جهود الفحص الدوري للمباني الكبيرة والمولات والمطاعم وقاعات المناسبات والفنادق، والتأكد من توافر إجراءات السلامة فيها، وتحديد المخاطر المحتملة والتوجيه بمعالجتها، وتشخيص المباني المخالفة”.
الحداد لمدة أسبوع
كذلك، أعلن محافظ نينوى، نجم الجبوري، الحداد لمدة أسبوع في المحافظة، فيما وجه بتنظيم وقفة صامتة في الدوائر الحكومية.
وذكر المكتب الإعلامي لمحافظ نينوى، في بيان أن “الجبوري أعلن الحداد لمدة أسبوع وتأجيل الاحتفالات الخاصة لمناسبة مولد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم الى إشعار آخر حدادا وحزنا على شهداء الحريق الذي وقع في قاعة مناسبات في قضاء الحمدانية”.
وأشار إلى “إقامة وقفة دقيقة صمت وحداد في كافة دوائر ومؤسسات محافظة نينوى غدا الخميس (اليوم)”، بالإضافة إلى توجيه كافة دور العبادة بـ”الدعوات بالرحمة والغفران والصلوات لشهداء الحريق والشفاء العاجل للجرحى والمصابين”.

