انتخابات مجالس المحافظات العراقية 2023.... قراءة في النتائج الأولية
في بغداد، تصدّر تحالف "دولة القانون" وتحالف "نبني" النتائج كلّ بتسعة مقاعد من أصل 52 مقعداً، تلاهما تحالف "تقدّم" الذي يتزعمه رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي، ويعود ذلك إلى سببين جوهريين الأول: هو مقاطعة الصدريين وهم يمثلون ثقلا تصويتيا في العاصمة أثر في التمثيل السياسي الشيعي بشكل خاص، وهو ما كان يحذر منه فواعل التمثيل قبيل الانتخابات. والثاني فيما يتعلق بحصد ائتلاف تقدم المركز الثالث في بغداد وحضور الكيانات السنية، فإن مشاركة مناطق حزام وغرب بغداد ذات الغالبية السنية في الانتخابات والتصويت لصالح الأحزاب والائتلافات السنية ككيانات تقدم والسيادة وعزم، حققت 19 مقعدا أي ما نسبته حوالي 38.6% من مقاعد مجلس المحافظة، وهي النسبة الأعلى قياسا إلى الانتخابات المحلية السابقة.
تتقارب النتائج أيضا في محافظة ديالى، رغم الأغلبية التي تحققت للتمثيل السياسي السني بـ 7 مقاعد في مجلس المحافظة، بمقابل 7 للتمثيل السياسي الشيعي، وفوز الاتحاد الوطني الكردستاني PUK بمقعد واحد. يرجح أن تكون مرحلة تشكيل الحكومات المحلية في المحافظات المختلطة والتي لم يستطع طرف تحقيق الأغلبية فيها، معقدة للغاية، لاسيما إذا عمدت الأطراف المفاوضة إلى إقحام منصب رئيس مجلس النواب في مفاوضات تشكيل الحكومة المحلية، وربما يحسم أمر رئيس مجلس النواب لصالح الطرف الذي يقدم أكبر قدر من التنازلات في خيارات التصويت على منصب رئيس مجلس النواب وتسمية المحافظ ورئيس مجلس المحافظة.
أفرزت انتخابات محافظة كركوك بعد تجميدها لمدة 18 عاما، عن حصول الكيانات الكردية على 7 مقاعد، في مقابل 6 مقاعد للقوائم العربية، ومقعدان للتمثيل السياسي التركماني، مع مقعد "كوتا" للمسيحيين، من المتوقع جداً سيحصل عليه عرب كركوك أيضا. عدم حصول كيان على الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة المحلية منفردا وتسمية المحافظ، يجعل حسم المنصب الأول أسير التوافق السياسي بين مكونات كركوك، مع ترجيح توافق التركمان مع العرب بدعم من بغداد، التي قد يكون تدخلها السياسي حاسما لإبقاء منصب المحافظ بإدارة عرب كركوك، كما هو معمول به حاليا، مع فرصة منح التركمان منصب رئيس مجلس المحافظة.
لوحظ في نتائج انتخابات كركوك تراجع التمثيل السياسي التركماني إلى مقعدين بعد أن كانوا يشكلون الثلث في المجالس السابقة وبالتالي كانوا أكثر تأثيرا وحضورا في معادلة السلطة المحلية، وهذا إذ يؤشر جنوح مرشحي التركمان نحو الاستقطاب الحزبي أو المذهبي، أكثر من الميل نحو الاستقطاب القومي الذي كان يحدد توجه الساسة والناخبين التركمان تجاه برامج ومصالح سياسية محددة.
لم تستطع جهة بعينها تحقيق أغلبية في مجلسي محافظتي صلاح الدين ونينوى، وسيكون التفاوض حتميا بين الكيانات صاحبة الثقل الأعلى، مع محاولة كسب وترضية الكتل الصغيرة ذات المقعد والمقعدين لإكمال النصاب، ولعل الحزب الديمقراطي الكردستاني في نينوى سيكون بيضة القبان بين التمثيل السياسي السني والشيعي المتنافسين على منصب المحافظ ورئيس مجلس المحافظة، لكون أن الكرد حققوا في النتائج الأولية 4 مقاعد وجاؤوا في المركز الثاني ضمن الأحزاب والائتلافات الفائزة بعضوية المجلس.
اكتسح تحالف تقدم والقوى الأخرى المتحالفة معه أغلبية مقاعد مجلس محافظة الانبار بحصولها على 12 مقعدا من مجموع 16، وبذلك سيشكل محمد الحلبوسي الحكومة المحلية بالكامل ويسمي المحافظ ورئيس مجلس المحافظة دون الحاجة إلى توافق سياسي مع الكتل المحافظة الأخرى. وعلى مستوى العراق حقق حزب السيادة بزعامة خميس الخنجر منفردا على 14 مقعدا، وهو ما يجعله الفائز الأول على مستوى الأحزاب وليس التحالفات في هذه الانتخابات، مع احتساب أربعة مقاعد أخرى ضمن تحالفات له مع قوى القيادة والمجلس العربي في محافظة كركوك.
حصلت قوائم المحافظين في البصرة وواسط وكربلاء على أكبر عدد مقاعد في مجلس محافظاتهم قد يؤهلهم لتشكيل الحكومات المحلية دون توافق مع قوائم أخرى، متقدمين على الإطار التنسيقي الشيعي، المتمثل بقوائم "دولة القانون" و"نبني" و"تحالف قوى الدولة الوطنية" (العبادي-الحكيم) وقائمة "ابشر يا عراق" (المجلس الإسلامي الأعلى) و"الأساس"، التي حققت العدد الأكبر من المقاعد في محافظات الوسط والجنوب (باستثناء البصرة وواسط وكربلاء) بسبب مقاطعة الصدريين للانتخابات، وهذا يعني تمكنها من تشكيل الحكومات المحلية بأغلبية توافقية تشبه إلى حد كبير تشكيلة الإطار التنسيقي في الحكومة الاتحادية. لابد من الإشارة إلى أن تحالف قوى الدولة الوطنية برئاسة العبادي-الحكيم تمكن من حصد 21 إلى 22 مقعدا، وهو تقدم مهم قياسا لما تحقق في انتخابات مجلس النواب المبكرة عام 2021. ويمكن القول أيضا أن خطة ائتلاف دولة القانون بدخوله منفردا في الانتخابات المحلية قد حققت نتائج مرضية بحصوله على 26 مقعدا في جميع المحافظات.
تمثل النتائج التي حصل عليها تحالف نبني الذي يجمع أغلب الأقوى السياسية- المسلحة في الإطار التنسيقي، نكسة كبيرة في المحافظات التي خاضوا فيها الانتخابات، فقد حققوا مجتمعين على قرابة 45 مقعدا فقط، برغم غياب الصدريين عن هذه الانتخابات.
لم تحقق الائتلافات والأحزاب الناشئة التي رفعت لافتات تشرين وشعارات "الدولة المدنية" نتائج ملفتة في انتخابات مجالس المحافظات، بل أن بعضها تراجعت نتائجه عما تحقق في انتخابات 2021 النيابية، حيث يمكن اعتبار تحالف "الأساس" الذي يتزعمه نائب رئيس مجلس النواب الحالي محسن المندلاوي (هو مدني ولكنه قريب جداً من قوى الإطار التنسيقي الشيعي)، وتحالف "قيم" الذي يضم الشيوعيين ومجموعة من المدنيين والشباب الجدد الذين نشأوا عن ساحات الاحتجاجات، بالإضافة إلى تحالف "بابليون" برئاسة ريان الكلداني (مسيحي ولكنه متحالف مع قوى الاطار التنسيقي الشيعي)، أبرز الخاسرين في الانتخابات المحلية.
إن الهزيمة النسبية التي مُنيَت بها الأحزاب التقليدية ومن يمثلهم من محافظين ورؤساء حكومات سابقين ووزراء حاليين، وخسارتهم محافظات مهمة كالبصرة وواسط، والأغلبية العددية في بغداد وديالى، تثبت أن لا جدوى من المقاطعة الجزئية، وأن المشاركة المسؤولة في الانتخابات يمكنها تغيير معادلة السلطة والتمثيل السياسي، والعراق لا يخلو من الأقوياء الأمناء المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة.
أفرزت الانتخابات المحلية في العراق 2023 شخصيات وأحزابا منافسة للأحزاب التقليدية ولاسيما في المحافظات الوسطى والجنوبية، وأبرزهم شغلوا مناصب المحافظين في المرحلة السابقة يمكن وصفهم بأنهم كانوا "محافظين خدميين" كسبوا ثقة الناخب وانشغلوا بمشاريع المحافظة، أكثر من كونهم "محافظين سياسيين" قضوا وقتهم برئاسة أحزاب والمشاركة في الفعاليات السياسية ببغداد، استطاعوا ولاسيما محافظ البصرة والانبار وواسط وكربلاء تحقيق نتائج في المجالس المحلية قد تتيح لهم تشكيل الحكومة المحلية، هؤلاء سيكون لهم شأن كبير في الانتخابات النيابية المقبلة، والتي ستكون إلى حد كبير مشابهة في نتائجها للانتخابات المحلية.
هل تتأثر شرعية النتائج بالمقاطعة الشعبية؟
تعتبر الشرعية من المفاهيم الرئيسة في علم السياسة بوصفها شكلا من أشكال القبول العام للنظام السياسي وفعالياته المختلفة، وكونها موافقة نسبية من أغلبية الشعب إلى نظام معين، ليكون قادرا على ممارسة سلطة ما من أجل تحقيق مصالح الدولة. وهنا يتشكل مبدأ القبول كأساس لشرعية أي نظام، ومهما تمتع النظام السياسي بالقوة والسلطة فإنه دون رضا شعبي ضمن أطر قانونية ودستورية يعتبر سلطة استبدادية مهتزة الشرعية.

