رأي تجديد

انتخابات مجالس المحافظات العراقية 2023... المقاطعة الشعبية للانتخابات... مالها وما عليها

يمثل قرار مقاطعة الانتخابات شعبيا، أولى علامات مأزق النظام السياسي في العراق منذ تشكله، وما وصل إليه قبيل انتخابات مجالس المحافظات في منتصف ديسمبر 2023، هو ذروة فشل فواعل السلطة في إدارة الدولة والنظام، وإقناع الرأي العام المُقاطع بضرورة المشاركة في قرار تبادل السلطة وتحديد خيار من يتولى زمام السلطات، وهذا ما يفتح جدلاً واسعاً حول جدوى الانتخابات بشكل عام، والذي صار من البديهيات أن الانتخابات سواء أكانت نيابية أم محلية، فهي ليست حلا لمشكلات البلاد، وإنما عادة ما تعيد إنتاج أزمة النظام من جديد في ظل استمرار مؤشرات فشل المنظومة الاقتصادية وضعف المنظومة التشريعية، وخروقات المنظومة الأمنية وتقاطعاتها المعقدة.

يشكّل الإقبال المنخفض على التصويت مؤشراً واضحا لحالة الاستياء الشعبي والمقاطعة الجماهيرية المتنامية للانتخابات في العراق. فمنذ عام 2003 تراجع الإقبال على التصويت مع مرور كلّ جولة انتخابات محلية أو نيابية. ففي العام 2005 صوّتت نسبة 80% من الناخبين العراقيين المؤهّلين "حسب المفوضية العليا المستقلة للانتخابات" مما عُدَّ حينها نجاحاً باهراً للعملية الديمقراطية الناشئة، بيد أن هذه النسبة انخفضت إلى نحو 60% " حسب مصادر رسمية" في خلال جولتَي الانتخابات النيابية في العامَين 2010 و2014، ثم تدهورت إلى 45% "حسب الأرقام الرسمية المعلنة" في العام 2018، بينما أعلنت نسبة المشاركة في الانتخابات المبكرة للعام 2021 "رسمياً" بحدود 40%. أما في الانتخابات المحلية فقد بلغت نسب المشاركة في انتخابات مجالس المحافظات في عامي 2009 و2013 قرابة 50%، أما نسبة المشاركة في الانتخابات المحلية للعام 2023 كما ذكر في سياق المقال فإنها بلغت 41% كما أعلنته المفوضية.

يدور مع كل انتخابات جدل شعبي حول قرار المقاطعة الجماهيرية وتداعياتها على شرعية الانتخابات، وتطرح اسئلة حول اعتراف المجتمع الدولي والنظام الإقليمي بحكومة تفرزها انتخابات بنسب مشاركة متدنية، وإلى أي درجة تضعف المقاطعة الشعبية الحكومة المحلية ومجالس المحافظات داخليا وخارجيا؟

لم ترد في الدستور مادة أو في قانون الانتخابات بندٌ يشير إلى نسبة مشاركة جماهيرية محددة للمصوتين في الانتخابات، لمنح حكومة اتحادية أو سلطة محلية الشرعيةَ السياسية، وإذا ما نقصت هذه النسبة فإن الحكومة فاقدة للشرعية ولا يمكن منحها ثقة البرلمان أو مجلس المحافظة، وبذلك فإن التشكيك بشرعية حكومة بناءً على نسب المشاركة الجماهيرية المتدنية أمر غير وارد ومنطقي، لافتقار الأطروحة إلى سند قانوني.

وعلى الرغم من غياب نص دستوري أو تشريع قانوني صريح حول نسب المشاركة في الانتخابات التي تمنح نتائجها الشرعية، ولكن يمكن القول إن الحكومة التي تنشأ من مشاركة شعبية ضئيلة تعتبر حكومة ضعيفة التمثيل الجماهيري، ولا يمكن اعتبارها حكومة مستقرة تعمل في بيئة سليمة. ويمكن هنا التذكير أن حكومة عادل عبد المهدي 2018 كانت أول حكومة تنتج عن مقاطعة شعبية كبيرة، وقد

انهارت بعد عام من تشكيلها بسبب الاضطرابات التي نشأت آنذاك وما عُرف باحتجاجات تشرين، وكذلك حكومة مصطفى الكاظمي البديلة واليوم حكومة محمد شياع السوداني التي جاءت نتاج الانتخابات المبكرة. فأثبتت الحكومات الثلاث الأخيرة أطروحة مهمة: أن الحكومة التي تنشأ عن نتائج انتخابات شهدت عزوفا جماهيريا كبيرا ستحظى بالشرعية الدستورية، ولكنها ستفتقر إلى الشرعية التمثيلية الجماهيرية، الأمر الذي يرجح بقاءها في حالة ارتباك وتذبذب حتى تنتهي دورتها باضطراب مستمر أو يُدعى إلى انتخابات مبكرة.