غزة بعد مائة يوم.. مصدر إلهام لشعوب الأرض - الجزء الاول
الحرب المجنونة على قطاع غزة، بعد مائة يوم من الوحشية والبربرية الصهيونية، والتي أخذت شكل إبادة جماعية، وحرب ضد الإنسانية، فإن حصادها مصاب، لوعة وألم، في البشر والحجر والشجر، لكن حصادها في الجانب الآخر، أكثر مرارة وألماً، وشتان بين ألم وألم، بين ألم يتحمله الإنسان تجملاً عن قناعة ويقين في جهاد يفضي إلى هدف نبيل سام، وبين مهووس بثقافة عنصرية شوفينية، وكراهية بلا حدود ومسح للآخر. لا يتحمل الالم، بل ينعكس عليه بسلوك عنيف وصدمة وخوف وقلق، وقد سجل الآلاف من افراد الجيش على لائحة العوق النفسي والعصبي الامر الذي استدعى ميزانية خاصة لمواجهة هذه النفقات!.
بعد مائة يوم.. اسرائيل فشلت فشلاً ذريعاً في تحقيق اهداف الحرب، تعرض الجيش لخسائر هائلة في الضباط والجنود، فقد ما يزيد على 1000 عجلة بين دبابة وناقلة جنود وجرافة وغيرها! رافقه فشل بتحرير حتى اسير واحد! أما هدف القضاء على حماس، فها هي اشتباكات مجاهديها من كتائب القسام على الارض مع جنود الاحتلال، تتكرر في اليوم الواحد مرات عدة دليل الفاعلية والجاهزية القتالية، فضلا عن المعنويات العالية، بالإضافة إلى صواريخ وقذائف القسام التي لم تتوقف رشقاتها نحو المدن والبلدات داخل الارض المحتلة، هي أكبر شاهد على حضورها وفعّاليتها في إدامة زخم المقاومة، أما الهدف الثالث المهم فيتعلق باستعادة «الردع» المفقود فقد تلاشى وغاب عن البيانات العسكرية ومن الخطاب السياسي، لأنه ببساطة سقط تحت ضربات كتائب القسام في صولتهم المباركة في السابع من أكتوبر، وبها تمزقت سردية «الجيش الذي لا يقهر»! وهي واحدة من الأكاذيب التي تراكمت على مدى عقود من الزمن، لكنها تهدمت خلال ساعات.
أما الداخل الصهيوني فهو منقسم انقساماً حاداً، والفجوة تتسع بين الصهاينة المتطرفين وبين الاكثر تطرفاً، بين من يعتقد بأن مواصلة الحرب لا تخدم سوى تطلعات وطموحات رئيس الحكومة نتنياهو، وحاجته لتحقيق اختراق عسكري يستعيد ما فقده، او يلمع صورته الملطخة بالفساد، وبين من يعتقد بضرورة مواصلة الحرب مدفوعاً بكراهية لا قبل للبشرية بها، تقضي- فيما يتخيله- بمسح غزة عن بكرة أبيها من الوجود.
لكن ربما الحدث الأبرز خلال هذه المائة يوم هو مثول إسرائيل ولأول مرة أمام محكمة العدل الدولية باتهام معزز بالأدلة والبراهين لارتكابها الابادة الجماعية.
أتقن عرضها فريق محامين متمرس يرأسهم وزير العدل في دولة جنوب افريقيا.
من جانب آخر، دمر جيش الكيان الصهيوني بالقصف العنيف كل وسيلة للحياة على ارض غزة، مركزاً على المنازل والمشافي والمدارس ومراكز الإيواء والمساجد والمخابز. حتى لم يعد فيها شبر آمن، ترافق ذلك مع قطع الغذاء والدواء والماء والكهرباء والوقود. مستهدفا حرمان أهل غزة من مقومات الحياة، والذي ينجو من القصف الوحشي يموت جوعاً او عطشاً أو مرضاً، لم يستثن من ذلك حتى الأطفال الخدج! والغرض واضح والنوايا الخبيثة معلومة، دفع السكان للهجرة بهدف إخلائها، لكن هيهات!
فالشعب أبيٌّ وهو يأبى ان يهاجر او يُهجّر، ومقاومة باسلة مذهلة وتأييد شعبي عالمي لا نظير له، وصورة إسرائيل النمطية في العالم باتت في الحضيض، والعالم وخصوصاً شريحة الشباب تراقب وتتأمل مبهورة من صمود أهل غزة الأسطوري. ويصدحون بمشروعية المقاومة وحق فلسطين في الحرية والوجود، بل يرون الحل في ازالة اسرائيل وليس في «حل الدولتين» كما تعدى تأثر الشباب الى «الدين» الذي صنع إنساناً قادراً على الصمود بل والاستهانة بالألم والحمل الذي تنوء به الجبال، ترافق ذلك مع السمو الاخلاقي والتميز الراقي.
أرادوا مسحها «غزة» فتحولت إلى أيقونة واصبحت مصدر إلهام لجميع شعوب الارض.
ولكن حملناها نفوساً كريمةً
تُحمّل ما لا يستطاع فتحملُ

