غزة على شفا المجاعة… كيف يتضور الأولاد جوعا
أكثر من مليون من سكان غزة يواجهون الشكل الأكثر تطرفا من سوء التغذية، الذي تصنفه مبادرة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي «كارثة أو مجاعة».
وممن يعانون في غزة الرضيع مجد سالم (سبعة أشهر) والذي وُلد في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني، أي بعد ثلاثة أسابيع من بدء الهجوم الإسرائيلي، ويتلقى العلاج من عدوى صدرية في وحدة عناية مركزة لحديثي الولادة في مستشفى كمال عدوان في شمال قطاع غزة منذ التاسع من مايو/ أيار.
وقالت الممرضة التي تعتني به لـ «رويترز» إنه يعاني من سوء تغذية حاد. بينما بينت والدته نسرين الخطيب إن مجد ولد بوزن طبيعي يبلغ 3.5 كيلوغرام.
وبحلول مايو/ أيار، عندما كان عمره ستة أشهر، ظل وزنه بلا زيادة تذكر عند 3.8 كيلوغرام، أي أقل نحو ثلاثة كيلوغرامات من المتوقع لطفل في مثل عمره.
وقالت والدته إن مجد، الذي كانت عيونه تتابع الصحافيين الزائرين للمستشفى، كان يحتاج مضادات حيوية للعلاج من العدوى وحليبا معززا بالفيتامينات لزيادة وزنه.
وواحد من كل ثلاثة أطفال في شمال غزة يعانون من سوء التغذية الحاد أو الهزال، وفق منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف).
أضرار دائمة
وتبعاً لخبراء التغذية، حتى إذا أفلت الأطفال من الموت، فإن الحرمان من الطعام في السنوات الأولى يمكن أن يؤدي إلى أضرار صحية دائمة.
ويتطور دماغ الطفل بأسرع معدل في أول عامين من العمر.
وقالت أشيما جارج، خبيرة التغذية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «اليونيسف» إنه، حتى لو لم يمت الأطفال من الجوع أو المرض بسبب ضعف جهاز المناعة، فمن المحتمل أن يتعرضوا لتأخر النمو والتطور.
وتابعت: «على الرغم من بقائهم على قيد الحياة، فقد يتعرضون لمشاكل في النمو في مرحلة الطفولة وما بعدها».
فيما بينت هانا ستيفنسون، الرئيسة العالمية للتغذية والصحة في منظمة (أنقذوا الأطفال) غير الربحية «يمكن أن يكون لهذا تأثير طويل الأمد على جهاز المناعة لديهم، وقدرتهم على الاستفادة من التغذية الجيدة، وعلى نموهم الذهني والبدني».
وفقا لمبادرة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، يوجد في غزة أكبر عدد من الأسر على مستوى العالم التي تعاني من أشد مراحل الفقر الغذائي.
وتصنف المبادرة مستويات الجوع في خمس فئات، أسوأها المجاعة.
وقالت سيندي ماكين المديرة التنفيذية لـ «برنامج الأغذية العالمي» في الخامس من مايو/ أيار إن الأسر في شمال غزة، تعاني بالفعل من مجاعة مكتملة الأركان.
وقد يستغرق الأمر شهورا حتى يعلن نظام القياس الدولي عن وقوع مجاعة. لكن الضرر الأولي الذي يلحق بجسم الطفل يحسب بالأيام.
وحسب دراسة أجرتها «اليونيسف» في أواخر مايو/ أيار، يعيش 9 من كل 10 أطفال تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر وسنتين في غزة في فقر غذائي حاد. وهذا يعني أنهم يأكلون من مجموعتين غذائيتين أو أقل يوميا، وهو ما قالت جارج إنه يعني الحبوب أو أحد أنواع الحليب.
وأضافت أن هذا هو الحال منذ ديسمبر/ كانون الأول 2023، مع تحسن طفيف فقط في أبريل/ نيسان 2024. ولم يتناول ما يصل إلى 85 ٪ من الأطفال من جميع الأعمار الطعام لمدة يوم كامل مرة واحدة على الأقل خلال الأيام الثلاثة التي سبقت إجراء الدراسة.
وذكر تقرير لمجموعة التغذية العالمية، وهي مجموعة من الوكالات الإنسانية بقيادة «اليونيسف» أن السبب الرئيسي لسوء التغذية الحاد في شمال غزة، هو عدم التنوع في النظام الغذائي للأطفال والنساء الحوامل والمرضعات.
وهذا النقص الغذائي، قبل وأثناء الحمل والرضاعة الطبيعية، يضر بالأمهات والرضع على حد سواء.
وكان عابد أبو مصطفى (49 عاما) وهو أب لستة أطفال، لا يزال يعيش في مدينة غزة في أوائل أبريل/ نيسان. وقال إن الناس هناك أكلوا بالفعل «كل النباتات الخضراء التي يمكن أن نجدها تقريبا» ولم يتناول لحما أو دجاجا لمدة خمسة أشهر على الأقل.
وفي رفح في الجنوب، تعيش مريم (33 عاما) وهي أم لخمسة أطفال، في مدرسة مع نحو 24 من أقاربها. قارنت بين وجبة عادية لعائلتها قبل الحرب وما يأكلونه حالياً.
قبل الحرب، قالت والدة الطفل مجد، الذي يعاني من سوء تغذية حاد، إن وجبة العائلة المتوسطة تتكون من الأرز مع الدجاج أو اللحم، إلى جانب الخضار مثل البامية أو القرنبيط أو البازلاء. خلال الحرب، أجبرت ندرة الدقيق الأسر على صنع الخبز من علف الحيوانات. وفي الآونة الأخيرة، بدأ الخبز والسلع المعلبة مثل التونة والفول في الظهور مرة أخرى، لكنها ليست متاحة على نطاق واسع.
وقالت والدة مجد، التي لم تتمكن من العثور على طعام لإطعام نفسها واضطرت إلى النزوح بسبب القصف الإسرائيلي في وقت مبكر من الحرب، إنها وجدت صعوبة كبيرة في إرضاع الصغير.
وأوضحت أنها لم تتمكن من العثور على حليب أطفال ذي نوعية جيدة ولا مياه نظيفة لإعداده لذلك أطعمته أنواعا مختلفة من الحليب الممزوج بمياه الأمطار أو المياه قليلة الملوحة من آبار غزة الملوثة، ما أصابه بالإسهال.
وحسب جارج خبيرة التغذية في «اليونيسف» هناك مشكلة كبيرة في تغذية الأمهات المرضعات في غزة وبالتالي قدرتهن على إرضاع صغارهن.
وقالت «إنهن لا يأكلن الفواكه والخضراوات ولا يأكلن اللحوم. ولا يتناولن الكثير من الحليب». ويعني هذا النقص في العناصر الغذائية حليب ثدي رديء الجودة. والتركيبة المخففة أكثر من اللازم من الألبان الصناعية ليست آمنة وتؤدي إلى الإصابة بالإسهال، الذي قد يكون في حد ذاته مميتا.
ولا يزال بوسع الأمهات اللاتي يعانين من مستوى معتدل من سوء التغذية إرضاع أطفالهن رضاعة طبيعية، لكن النساء اللاتي يعانين من سوء التغذية الحاد يواجهن صعوبات.
وبين أحمد الكحلوت، الممرض الذي يرأس وحدة حديثي الولادة، إن مرض مجد كان بسبب سوء التغذية.
وأوضح «بسبب سوء التغذية اللي عند الطفل لا توجد مناعة وأي عدوى تحصل للطفل من مراكز الإيواء.. تصيب الطفل بهذه الالتهابات الرئوية الحادة في الصدر».
وتزداد القابلية للإصابة بالأمراض عادة بعد أسبوعين من عدم تناول ما يكفي من الطعام.
يؤدي استهلاك الجسم لاحتياطياته من الدهون إلى تآكل الأنسجة العضلية، ولهذا السبب يستخدم عمال الإغاثة عند تقييم الحالات شرائط ورقية بدائية لقياس مدى خطورة حالة الأطفال.
ووفقا للمعايير التي وضعتها الأمم المتحدة، يجري استخدام شريط لقياس محيط الذراع، وإذا كان محيط أعلى الذراع 11.5 سنتيمتر أو أقل بالنسبة لطفل يتراوح عمره بين ستة أشهر وخمس سنوات، يعتبر الطفل يعاني من سوء التغذية الحاد.
وأوضحت بيانات قياس محيط منتصف الذراع من جميع أنحاء غزة منذ منتصف يناير/ كانون الثاني أن أكثر من سبعة آلاف طفل تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر وخمس سنوات يعانون بالفعل من سوء التغذية الحاد حتى 26 مايو/ أيار.
تضم غزة أكبر عدد من الأشخاص المهددين بخطر المجاعة، لكن وفقا لمبادرة «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي» فإن هناك مناطق أخرى تعاني من الفقر الغذائي لكن ليس بنفس الحدة التي يواجهها القطاع.
ويحدد التصنيف مستوى شدة وحجم انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية باستخدام مقياس من خمس فئات. وفي حال صُنفت منطقة ضمن الفئة الثالثة أو الرابعة أو الخامسة، فهذا يعني أنه يلزم اتخاذ تدابير طارئة.
ويقول التصنيف إن الفئة الثالثة تشير إلى أن الأسر في «أزمة» مما يعني أنها تعاني من مستويات مرتفعة أو فوق المرتفعة من سوء التغذية الحاد مع القدرة على تلبية الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية الأساسية لكن بالاضطرار إلى بيع ممتلكاتها على سبيل المثال أو اتخاذ تدابير أخرى لمواجهة الأزمة.
والفئة الرابعة هي «حالة الطوارئ» وفيها تعاني الأسر إما من معدلات «مرتفعة جدا» من سوء التغذية الحاد أو الوفيات أو أنها لن تستطيع تعويض نقص الغذاء لديها إلا من خلال اتخاذ تدابير طارئة وبيع ممتلكاتها.
والفئة الخامسة هي «الكارثة» أو «المجاعة» وفيها تعاني الأسر من نقص شديد في الغذاء أو الاحتياجات الأساسية الأخرى مع تجلي المؤشرات على ارتفاع مستويات المجاعة ومعدلات الوفيات والفقر المدقع فضلا عن معدلات حادة وخطيرة من سوء التغذية.
سوء التغذية
ولتصنيف منطقة بأكملها على أنها في مجاعة، يجب أن يحدث انعدام شديد في الأمن الغذائي مصحوبا بمستويات معينة من سوء التغذية الحاد وحالات الوفيات.
وفقا لنظام التصنيف المتكامل للأمن الغذائي، تُصنف منطقة ما على أنها في حالة «مجاعة» إذا استوفت معيارين أو أكثر من المعايير ثلاثة. أولا، يجب ألا تقل نسبة الأسر التي تواجه نقصا شديدا في الغذاء عن 20 ٪. ثانيا، حوالي ثلث الأطفال في المنطقة يعانون من سوء التغذية الحاد. ثالثا، وفاة شخصين بالغين أو أربعة أطفال من بين كل عشرة آلاف شخص يوميا بسبب الجوع الشديد أو سوء التغذية المصحوب بمرض.
وتوقع تقرير صادر عن مبادرة التصنيف المرحلي المتكامل في مارس/ آذار، أن جميع سكان قطاع غزة سيقعون فيما بين الفئة الثالثة والخامسة في الفترة بين مارس/ آذار ويوليو/ تموز. ويقول مسؤولون في الأمم المتحدة لـ «رويترز» إنهم يتوقعون إصدار التحليل التالي عن أوضاع الأمن الغذائي في غزة في 25 يونيو/ حزيران.
وبناء على أحدث تحليلات التصنيف المرحلي المتكامل، فمن المتوقع أن يندرج سكان جنوب السودان ومالي تحت الفئة الخامسة مثل سكان غزة. ووفقا للموقع الإلكتروني للتصنيف، فإن البلدان الثلاثة التي تضم أكبر عدد من الأشخاص في الفئة الثالثة وما فوقها هي نيجيريا بحوالي 25 مليونا، ثم جمهورية الكونغو الديمقراطية بحوالي 23.4 مليون، وبعدها السودان بنحو 17.7 مليون.

