العراق: استعادة جمهورية الخوف
يحيى الكبيسي
قلنا في مقال سابق إن النظام العراقي بعد 2003، يستخدم الأساليب ذاتها التي استخدمها نظام البعث، وذلك رغبة منه أجل إعادة صناعة جمهورية الخوف من جديد، عبر تخادم أطراف نظام كليبتوقراطي/ لصوصي شكلته اوليغاركية تستعين بميليشيات مسلحة، والقضاء، وجمهور زبائني تصنعه عبر الرشوة المتأتية من الريع النفطي، وهو جمهور غير معني بالحقوق والحريات ما دام يتقاضى راتبه نهاية الشهر، وما دامت لديه القدرة على إيجاد موارد أخرى عبر قنوات الفساد اللامتناهية!
في الآونة الأخيرة، وتحديدا بعد احتكار قوى الإطار التنسيقي القرار السياسي والعسكري والأمني والاقتصادي، مع تحييد القوى الكردية التي أضعفها انقسامها الذي حد تقويض سلطة أقليم كردستان نفسه، والغياب التام للقوى السنية التي اكتفت بما يوفر لها العرابون من الفاعلين السياسيين الشيعة من إمكانيات الاستثمار في المال العام، ويضمن لها إعادة انتخابها ثانية عبر أدوات السلطة والتزوير المنهجي، فقد بدا واضحا أن ثمة تخادما بين سلطات ومؤسسسات وفاعلين غير حكوميين، من أجل تشكيل جمهورية خوف جديدة!
ومن ملامح هذ الجمهورية، تحول الهيئة العامة للإعلام والاتصالات، خلافا لما نص عليها قانونها، إلى أداة منهجية لإسكات أي صوت معارض يزعج النظام اللصوصي الزبائني، عبر قرارات غير قانونية تمنع المعارضين والناشطين من الظهور في وسائل الإعلام العراقية.
ومراجعة قرارات هيئة الإعلام والاتصالات منذ بداية تشكيلها عام 2004، بموجب قرار سلطة الائتلاف المؤقتة رقم 65، يكشف أن الهيئة لم تصدر على مدى 18 عاما من تأسيسها أي قرار بمنع الظهور الإعلامي لأي شخصية، لكن الهيئة غيرت منهجها تدريجيا في السنوات الثلاث الأخيرة، وتحديدا بعد تولي شاب مغمور منصب المدير التنفيذي للهيئة في أيار 2021 لا يمتلك أدنى الشروط الواجب توفرها فيه بموجب القانون؛ من ذلك «خبرة على مستوى كبار المسؤولين في الشؤون القانونية والإدارية والتجارية والتنظيمية، وفي مجالات الهندسة والاتصالات السلكية واللاسلكية والبث والإرسال أو الصحافة، ويكون من ذوي الخلق الرفيع الخالي من الشوائب». كل ما يمتلكه علاقته القرابية برئيس إحدى القوى السياسية الشيعية المنضوية تحت عباءة الإطار التنسيقي! فهذه الهيئة استخدمت بقوة في لعبة التخادم، من خلال إصدار رئيسها هذا، قرارات تمنع عشرات الشخصيات من الظهور في وسائل الإعلام العراقية دون سند قانوني! بل وصل الأمر إلى إصدار قرار بمنع شخصية من الظهور الإعلامي مدى الحياة لأنه نشر في إحدى وسائل التواصل الاجتماعي (التي لا تخضع لسلطة الهيئة من الأصل) «بناء على «توجيه» رئيس المحكمة الاتحادية، وعطفا على كتاب رئيس الجمهورية كما جاء في قرار المنع». لتكتمل مهزلة التخادم والقفز على القانون والصلاحيات، بكتاب يرسله المدير التنفيذي للهيئة «المستقلة» إلى رئيس المحكمة الاتحادية العليا «المستقلة» بعنوان «إجراءات» يعلمه فيها بأنه «بناء على كتاب سيادتكم… نعلم سيادتكم بموقف وإجراءات هيئتنا»!
في السياق نفسه وجدنا بعض النقابات تستخدم، تطوعا أو بناء على أوامر مباشرة، لتكريس جمهورية الخوف هذه، عبر قرارات تمنع أعضاءها من الظهور في وسائل الإعلام، بل وتعاقب أعضاءها على آراء أدلوا بها في الإعلام أو معلومات دقيقة وصحيحة استخدموها في وسائل الإعلام.
والواقع أن النقابات في العراق فقدت دورها الحقيقي تحت النظام الشمولي لحزب البعث، وكان يفترض أن تستعيد هذه النقابات صوتها ودورها بعد عام 2003 تحت نظام يدًعي أنه نظام ديمقراطي؛ لكنها توزعت على أحزاب السلطة والميليشيات، وحولت نفسها إلى مؤسسات حكومية في محتواها وسلوكها، وتماهت معها تماما! كما كان عليه الأمر في زمن البعث، سعيا للحصول على مكاسب فئوية! وعجزت عن استرجاع دورها وفضلت البقاء تحت عباءة السلطة للحصول على المغانم، مع أن أول المبادئ التي تقوم عليها النقابات المهنية في الأنظمة الديمقراطية، هو الابتعاد عن السلطة/ الحكومة.
فنقابة المحامين العراقية، بوصفها نموذجا لما طال هذه النقابات، اتخذت، في حزيران 2024 قرارا باستحداث هيئة ضمن تشكيلات مجلس التأديب، تختص بالنظر في شكاوى المخالفات الصادرة عن بعض المحامين خلال ظهورهم الإعلامي في القنوات الفضائية. وأرسلت كتابا إلى هيئة الإعلام والاتصالات في 12 آب 2024 يتضمن أسماء 19 محاميا فقط يحق لهم «المشاركة في البرامج القانونية أو القضايا التي تتعلق بالشق القانوني» لتعمم الهيئة أسماء هؤلاء على «المؤسسات الإعلامية كافة»!
وفي السياق ذاته أصدرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في 11 أيلول 2024 تعميما إلى الجامعات كافة، استند إلى كتاب صادر من مجلس الدولة بتاريخ 20 آب2024، وكتاب صادر عن مكتب السيد رئيس مجلس الوزراء بتاريخ 20 آب 2024 الذي تضمن النص الآتي: «ظهور تدريسيين من كليات القانون من الجامعات الحكومية والأهلية في لقاءات تلفزيونية ممن يتصدون بالتعليق أو المناقشة لمسائل قانونية مطروحة أمام القضاء أو مجلس النواب أو الجهات الحكومية الأخرى وقد تتضمن أحاديث بعضهم الإشارة إلى السلطات العليا في الدولة أو مؤسساتها بعبارات لا يتوفر فيها المستوى اللازم من الاحترام… وقد تشف آراؤهم عن أحكام غير دقيقة في مجالات لا يختصون بها وهذا السلوك يسيء الى سمعة استاذ القانون وقدره في المجتمع وينعكس على الوظيفة الجامعية والدولة». تضمن هذا التعميم «منع التدريسيين في اختصاص القانون من المشاركة في اللقاءات التلفزيونية التي تتصدى للمسائل القانونية العامة دون أذن الكلية التي ينتسب اليها، ويشترط الاختصاص في الموضوع، وأن تكون هناك مصلحة عامة من المشاركة، وبخلافه يحال المقصر الى التحقيق الاداري «
ولا يمكن فهم هذه القرارات بعيدا عن سياق الحملة المتعلقة بتعديل قانون الأحوال الشخصية المطروح الآن في مجلس النواب، وعن الأجواء التي أحاطت بسرقة الأمانات الضريبية والملاحظات المتعلقة بعقود الدولة وإجراءاتها. فقد كانت الغاية الرئيسية من قرارات نقابة المحامين هذه هو منع مشاركة المعترضين على تشريع هذا القانون في البرامج التلفزيونية لشرح الأبعاد المجتمعية الخطيرة لمشروع التعديل هذا، وهو ما يفسر القرارات التي صدرت لاحقا بإحالة محامين إلى هذه الهيئة المستحدثة بسبب مشاركتهم في برامج تلفزيونية كان لهم فيها مواقف معارضة للقانون المذكور! كما أن الغاية الرئيسية من قرار رئيس مجلس الوزراء/ وزارة التعليم العالي هي منع القانونيين من نقد، او مجرد التعليق، على أي إجراء يتخذه القضاء أو الحكومة بأي حال من الاحوال!
لسنا هنا امام اجتهادات فردية، أو قرارات ارتجالية، بل أمام حملة منهجية لتكميم أي صوت معارض لممارسات القابضين على السلطة سياسيا، والقائمين على الدولة الموازية بسلاحهم، أي اسكاتهم بداية، بدلا من انتظار ملاحقتهم قضائيا لاحقا كما كان عليه الأمر من قبل!
كاتب عراقي

