قانون العفو… رغم المآخذ، شيئ افضل من لاشيئ
بعد طول انتظار، وتأجيل وتسويف وابتزاز، صدر قانون العفو، وماهو إلا تعديل على قانون عفو كان قد صدر عام 2016، لم يعد مناسباً للظروف الراهنة، حيث الوعي الشعبي المعني بالعدالة بات افضل، والاستجابة من جانب المشرعين باتت هي الأخرى افضل نسبياً.
والكل يعي ويدرك ابتداءا، ان القضية المركزية في ملف حقوق الانسان، هي قناعة الجميع ان في السجون محتجزين ومسجونين بالآلاف هم في واقع الحال ابرياء، لم ينتهكوا القوانين، وبالتالي فهم كبقية المواطنين مكانهم الطبيعي ينبغي ان يكون فضاء الوطن والعيش الكريم وليس اقبية السجون محرومين من حقهم المشروع في الحرية، ومتى توفرت القناعة فان التعامل مع هؤلاء يفترض ان يتم بقوانين لرد الاعتبار والتعويض وليس بقوانين عفو!! اذاً نحن امام قانون فصّل لغرض لا يتناسب مع واقع الحال!! لكن هذا ماهو متاح في عراق اليوم.
من جهة اخرى، تفاوتت الإجراء بين من واقعة جرمية مشتبه بها، وأخرى ثبت بالتقاضي والاعتراف انها قد وقعت فعلاً، وعدا تهم الارهاب حيث الشبهة بالتقاضي قائمة، يعاد التحقيق مع البريئ وربما تعاد محاكمته، بينما بقية الجرائم، الاخلاقية والاجتماعية والمؤكد وقوعها، مثل جرائم الفساد والرشوة والاختلاس والسرقة والغش والتزوير والمخدرات والقتل والخطف والزنا….. الخ فيكفي المتهم ان يدفع مالاً ويخرج مباشرة من السجن إلى البيت….!! لا اعادة تحقيق ولا محاكمة….!!
من جهة اخرى، لم يكن هذا القانون الذي طال انتظاره ليصدر، إلا من خلال رزمة قوانين مثيرة للجدل، الاول ويعني بتعديل جذري على قانون الاحوال الشخصية، والثاني يعني بتمليك عقارات مصادرة…. والثالث بالطبع هو قانون العفو، وهذا تصدر القوانين ليس بناءا على توافقات على حاجات نبيلة يحتاجها المجتمع انما طبقا لمساومات سياسية.
مع ذلك، فإن قانون العفو الحالي الذي اصبح نافذاً حال التصويت عليه في مجلس النواب، يتيح للمسجون البريئ الحق في اعادة التحقيق في الجريمة المنسوبة اليه، وهذا لوحده تطور نوعي في التقاضي كنا نترقب صدوره، اذ ان جميع الاحكام الجائرة بحق الابرياء كانت قد صدرت بناءا على نتائج التحقيق، حيث اخذت بها المحاكم لاحقاً، إلا في استثناءات محدودة، وفي التحقيق جرت حفلات التعذيب، وفي التحقيق تم تزوير الحقائق، وفي التحقيق انتزعت الاعترافات بالإكراه، وفي التحقيق هدد المتهم بعرضه وشرفه….. لهذا فان فتح القضايا امام محققين مهنيين نامل ان يكونوا مستقلين، يخافون الله جلّ وعلى، وليسوا من منتسبي الداخلية من الضباط ربما يفتح الباب للتعرف على الحقائق المجردة، وهذا ما يقتضيه العدل.
الحاصل، مهما كانت الثغرات والملاحظات حول القانون ذي الصلة فانه يوفر هامشاً معقولاً لتحرير الأبرياء وتحقيق العدل، لهذا ينبغي علينا عدم تضييع الفرصة في الجدل والتمني بل يعمل الجميع من اجل توفير كل الشروط والمستلزمات المطلوبة ومن بينها توفير قضاة ومحققين عدول من اجل إنجاح تطبيق القانون وتحقيق غاياته. التشريع هو الصفحة الاولى، لكن التنفيذ وهو الصفحة الثانية هو المعول عليه في إنجاح القانون وبلوغ مراميه، دعونا هذه المرة نتفاءل، رغم ان تجاربنا السابقة ماكنت يوماً مشجعة ولا تدعو للإطمئنان…. والله غالب.

