الدعوة للإقليم الشيعي… دون مقدمات
فجأة ودون مقدمات بل وحتى دون مبررات منطقية طرح سياسيون ناشطون من الشيعة، رؤيتهم لمستقبل الحكم في العراق، ليس على اساس تحول المحافظات إلى أقاليم كما ينص الدستور، بل الذهاب لأبعد من ذلك ، إلى تحويل مجموعة محافظات لم يسموها إلى (جمهورية العراق الشيعي)، متذرعين ان هذا التحول يسهّل امكانية حصر الثروات النفطية بالإقليم الشيعي المنشود فقط، كما يطلق العنان للقادة الشيعة في ادارة إقليمهم او حتى جمهوريتهم دون تدخل او متاعب او كما يسمونه (ابتزاز) المكونين الرئيسين ، ونقصد العرب السنة والكورد.
ذهبت التحليلات إلى القول، بان الطرح وفي هذا الوقت بالذات يعبر عن مخاوف من المستقبل، بعد أن تغّير موقف الولايات المتحدة من النظام العراقي بقدوم الرئيس الأمريكي ترامب إلى البيت الأبيض، وتغيرت قواعد اللعبة، من ناعمة إلى خشنة أو صلبة، وكما هو معروف فان القادم الجديد للبيت الأبيض يميل في العادة لا ستخدام العصا الغليضة مع المخالفين حول العالم، القصف المكثف قبل ايام على الجزء الذي يحتله الحوثي في اليمن، اقرب مثال.
يتوقع مراقبون، ان العراق فعلاً وقع في عين العاصفة، من جانبين، ماتعتبره الادارة الأمريكية كون النظام في العراق لم يعد مستقلاً بل ذراع من أذرع ايران في المنطقة الجيو سياسية، وبالتالي فان الصراع المفتوح بين الولايات المتحدة وايران لابد ان تصل تداعياته للعراق، خصوصاً وهو الأهم بعد ان شاركت بعض الفصائل المسلحة من الحشد الشعبي في هجمات صاروخية او بالمسيرات على الكيان الصهيوني، وقبلها هجمات على أرامكو في السعودية، ميليشيات الحشد متهمة فيها، وبناءا عليه تواترت الاخبار حول قيام الولايات المتحدة بتوجيه رسائل حازمة إلى رئيس الوزراء السوداني تطالبه بحل الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، وهو مطلب لم يتم تنفيذه حتى اللحظة.
مخاوف المتصدرين للعمل السياسي من الشيعة تكمن في الاعتقاد بان الولايات المتحدة لن تقف عند حدود حل الحشد، بل من المتوقع انها ستتخطاه إلى النظام القائم نفسه وتعمل على تغييره، لهذا فان الدعوة للإقليم والنأي بالنفس هي من باب الهروب للأمام، وإنقاذ مايمكن انقاذه.
تفسير آخر عرضه الكاتب عبد اللطيف السعدون في مقاله (عن لغز المطالبة بتقسيم العراق) المنشور عيى صفحات جريدة (العربي الجديد) عدد 3845، اذ يعتقد بان ايران ولاية الفقيه هي وراء المطالبة بالإقليم الشيعي، اذ تشعر هي بعد الهزيمة التي لحقت بها مؤخراً بالحاجة إلى تكييف وضع جديد يضمن استمرار هيمنتها على العراق بطريقة القضم قطعة قطعة، بعد ان فشلت في ابتلاعه كاملاً، لذلك فان الدعوة للإقليم الشيعي ماهي إلا الخطوة الاولى لدخول العراق عملياً في الجيوبوليتيك الذي تعتمده ايران.
اذ ربما يكون اقليم شيعي مقبول، في اطار ترتيبات الشرق الاوسط الجديد، كبديل للعراق الموحد القوي، بشرط ان يبادر الشيعة انفسهم وفي اطار اتفاق دولي ، في تحقيق (حلم أعداء العراق التاريخيين) القاضي بتشطير العراق إلى أقاليم، او ربما التقسيم إلى ثلاث دويلات!!
في كل الاحوال، فان العارفين بخفايا الأمور، مقتنعون بان المؤشرات القادمة من واشنطن، توحي بان التغيير قادم ، لذلك تتراكم الغيوم السوداء فوق سماء بغداد بانتظار العاصفة، لكن من السابق لأوانه الحديث عن خارطة الطريق للتغيير، اذ لا احد في الواقع يملك التفاصيل، والملاحظة هنا ، متى اتخذ قرار التغيير، فان وجود العراق موحداً او مقسماً لأقاليم لن يغير من واقع الحال، بمعنى ان الدعوة للإقليم لن تؤخر او تعطل التغيير المتوقع متى مآتم القرار عليه، إلا في اطار صفقة، كما جرت الاشارة لذلك، لهذا يبدو من التحليل، ان الدعوة للإقليم الشيعي غير ذات صلة بالتغيير المتوقع، بل هي دعوة لتخويف الناخب الشيعي ودفعه للتصويت لقائمة محددة، هذه هي رسالة التخويف الثانية، بعد رسالة التخويف من عودة البعث!! ولا ننسى فنحن والانتخابات على مرمى البصر. وهذا تفسير آخر للدعوة المشبوهة.
الحاصل، ماذا يمكن ان يفعل من يفتقر لإنجاز ملموس؟ كي يقنع به ناخبيه ويغريهم للتصويت له! غير ان يخوف الناس ويرسم أمامهم مستقبل مظلم… ويعرض نفسه أمامهم بأنه (المنقذ) الذي لايشق له غبار….!

