رأي تجديد

حين تنتصر المصلحة على الخلاف… الدوحة تُعيد رسم خطوط التقارب العربي

في مشهد استثنائي يعكس تحوّلات اللحظة الإقليمية وتعقيداتها، شهدت الدوحة، الثلاثاء الماضي ، لقاءً لافتًا بين رئيس الجمهورية السورية أحمد الشرع ورئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، بوساطة كريمة من أمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. لقاءٌ لم يكن ليحدث لولا إدراك عميق بأن الحسابات القديمة لم تعد قادرة على تفسير الحاضر، ولا التعامل مع تحدياته.

العلاقات بين دمشق وبغداد لم تكن يومًا سهلة. ظلّت مثقلة بإرث من الخلافات، وبشبهات وظلال ألقتها سنوات الصراع، وخاصة ما يتصل باتهامات قديمة طالت الرئيس الشرع بشأن نشاطه السابق في تنظيم القاعدة، حين كان يُعرف باسم “أبو محمد الغولاني” وهي رواية ما زال يلوّح بها بعض الساسة العراقيين المقرّبين من طهران، ويتغافلون عن ماضيهم وحقيقة ارتباطاتهم، وهي ليست عن ارتباطات الغولاني السابقة ببعيد!!! مع ذلك هي اليوم تُدفَع جانبًا، ليس لأن الذاكرة قد مُسحت، بل لأن المصلحة أصدق من العاطفة، وأبقى من الانفعال.

إن ما جمع الرجلين في الدوحة ليس الانسجام الشخصي، بل الضرورة الجيوسياسية. الدولتان تواجهان واقعًا إقليميًا بالغ الهشاشة: غزة تحترق، وإيران على حافة صدام محتمل مع إسرائيل أو مع الغرب، والعراق وسوريا على خط النار من جهة، وفي قلب الممرّات الاقتصادية واللوجستية من جهة أخرى.

من هنا، كان اللقاء انعكاسًا لنضج سياسي أكثر منه لحظة تصالحية عابرة. هو اعتراف متبادل بأن ما يجمع البلدين أكبر مما فرّقهما، وأن التنسيق والتكامل، لا المناكفة، هما السبيل لحماية الأمن، وتحقيق التنمية، وإعادة ترميم دور الدولة في فضاء عربي يتغيّر بسرعة.

ولعلّ من الإنصاف هنا الإشادة بالدور القطري، الذي لم يكتفِ بالوساطة، بل أتاح مناخًا آمنًا وحكيمًا لحدوث هذا اللقاء، ونجح مرة أخرى في لعب دور التسهيل والتهدئة، دون ضجيج أو استعراض.

كما يُسجَّل للطرفين، الرئيس الشرع ورئيس الوزراء السوداني، هذه المرونة غير المتوقعة، والقدرة على تجاوز الحساسيات الشخصية والسياسية لصالح مصلحة أوسع، وأعمق.

في لحظة كهذه، حيث كل تحالف قابل للاشتعال، وكل خلاف قابل للاستغلال، فإن اختيار الحوار خطوة جريئة، وربما مؤسِّسة لتحول جديد في العلاقات العربية، ولو بدأ بخطوات صغيرة.

شكراً للدوحة… شكراً للعقل ،شكرا  للحكمة.