سربرنيتسا وغزة: حيث المعايير المزدوجة تغذّي جريمة القتل
لا شيء يشبه صمت العالم عندما يُذبح الأبرياء، في عامي 1992-1995 قتل الصرب المتطرفين ما يزيد على 300 الف مسلم من البوسنة والهريسة على مرأى ومسمع من العالم في أبشع إبادة جماعية بعد الحرب العالمية الثانية، وفي سربرنيتسا عام 1995 أعدمت قوات الصرب أكثر من 8,000 مسلم بدم بارد، تحت حماية كاذبة من جانب الأمم المتحدة، ولم يتدخل الولايات المتحدة ولا الناتو إلا بعد ان ضمن هؤلاء ان الفرصة لإقامة دولة إسلامية الهوية في اوربا، قبل ايام وتحديدا في 11 من تموز الجاري حلت الذكرى الثلاثون للإبادة، وبعد ثلاثين عامًا، يتكرّر المشهد بفظاعته في غزة، حيث يُقتل آلاف المدنيين الفلسطينيين، بينهم أطفال ونساء، على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي، حيث بلغ عدد القتلى والمصابين والجرحى ما يعادل 200 ألف وهو مايعادل 10% من سكان القطاع، كل ذلك، وسط صمت دولي يكتفي بالدعوة إلى مفاوضات تهدئة ووقف إطلاق نار ظرفي، ومع تغافله متعمداً عن القاتل البربري المتوحش، يلقون باللائمة عل المقاومة!! رغم انها تمارس حقها في الدفاع حسب القانون الدولي!!
في سربرنيتسا، تم تصنيف المذبحة رسميًا كجريمة إبادة جماعية، وجرى محاكمة بعض الجناة في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة.
أما في غزة، فكل تقرير يدين انتهاكات الجيش الإسرائيلي ويقدم الدليل على تورطه بالإبادة الجماعية يُقابل بالتشكيك أو التسييس، رغم تكرار استخدام القوة المفرطة ضد السكان المحاصرين، والتفنن بالقتل الجماعي، سواء بالسلاح ام بالتجويع، ناهيك عن تدمير البنية المدنية بشكل ممنهج.
المعايير المزدوجة لم تعد مجرد مواقف سياسية، بل أصبحت أدوات مميتة تُستخدم لتبرير القتل وتعطيل العدالة، ومساعدة القتلة في الافلات من العقوبة، حين يُترك الجاني بلا حساب، يتحوّل الألم إلى ذاكرة مكسورة، ويصبح الصمت الدولي شريكًا في الجريمة.
الإفلات من العقوبة في جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية لا يُهدد الضحايا فقط، بل يُقوّض النظام العالمي كله. إن عدم محاسبة الجيش الإسرائيلي عن الجرائم في غزة ليس فقط انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، بل تشجيعًا لكل من يرغب في تكرار السيناريو ذاته في أماكن أخرى.
في مارس 2024، نشرت المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيز تقريرًا تاريخيًا بعنوان “من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة الجماعية”، اتهم إسرائيل بارتكاب جريمة إبادة جماعية في غزة، مستندة إلى أدلة تشمل القتل والتهجير والتجويع واستخدام أسلحة محظورة.
“حين تصبح الحياة والموت رهن قرارات المستثمرين، تتحوّل الجرائم إلى مؤشرات سوق، وتصبح الإنسانية ضحية للربحية.” فرانشيسكا ألبانيز.
لم تكتف الولايات المتحدة برفض التقرير، بل فرضت عقوبات على ألبانيز، متهمة إياها بـ”التحريض السياسي” و”معاداة السامية”، رغم أن تقريرها استند إلى القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة.
لكن السؤال الأخلاقي الذي يفرض نفسه: ماذا لو كانت الضحية أمريكية؟ هل كانت واشنطن ستفرض عقوبات على من يكشف الحقيقة؟ أم كانت ستُرشّح ألبانيز لجائزة نوبل للسلام، كما فعلت مع شخصيات دافعت عن حقوق الإنسان في مناطق أخرى؟
هذا التناقض يفضح ما يمكن تسميته بـ”احتكار العدالة”، حيث تتحوّل القيم الإنسانية إلى امتيازات دينية وعرقية، جغرافية وسياسية، ويُكافأ من يدافع عن الضحايا إذا كانوا من “الصف المسموح” ويُعاقب إذا كانوا من “الصف المحظور”.
كلمة أخيرة، الضحايا لا يسألون عن دين أو جنسية من ينصفهم، بل عن ضمير لا يساوم. إن المأساة ليست فقط في القتل، بل في عجز العالم عن قول كلمة “كفى” للظلم، أينما وُجد. إلى متى سيستمر الأقوياء في صياغة تعريف العدالة وفق مصالحهم؟ وإلى متى سيظل صوت الضحايا خافتًا لا يُسمع إلا حين يُرضي ميزان النفوذ؟

