بغداد تحترق من الداخل… هل تُعيد “أحداث زراعة الكرخ” الدولة إلى رشدها
في صباحٍ يوم بدا هادئًا كبقية أيام العاصمة، انفجر المشهد الأمني والسياسي فجأة في قلب بغداد، وتحديدًا في دائرة زراعة الكرخ، ليتحوّل إلى مسرح اشتباك مسلح بين الدولة و”اللادولة”، سقط فيه مدنيون أبرياء ورجال أمن، واهتزّت معه هيبة الدولة التي ما فتئت تتعرض للخدش مرة تلو الأخرى ، دون ردع او حسم .
الحادثة التي وقعت يوم الأحد 27 تموز 2025، لم تكن وليدة لحظة، بل ثمرة مُرّة لتراكم طويل من غضّ الطرف عن واقع ميليشياوي متفلّت، يتقاطع مع الدولة حين يشاء، ويصطدم بها حين تتعارض مصالحه مع قراراتها.
فما حدث لم يكن صراعًا على حدود سيادية، ولا مواجهة مع عدو خارجي، بل كان بسبب قرار إداري بسيط يقع في صلب اختصاصات الحكومة حصراً : تغيير مدير دائرة !
■ ماذا جرى؟
بحسب بيان وزارة الداخلية، اقتحمت مجموعة مسلحة مبنى دائرة زراعة الكرخ تزامنًا مع مباشرة مدير جديد لمهامه، ما أدى إلى حالة من الذعر في صفوف الموظفين. وعلى إثر نداء استغاثة، هرعت القوات الأمنية – من الشرطة الاتحادية ودوريات نجدة الكرخ – إلى الموقع، لكنها تعرّضت لإطلاق نار مباشر، أدى إلى إصابة عدد من الضباط والمنتسبين.
الوزارة أعلنت لاحقًا إلقاء القبض على 14 مسلحًا، ثبت بعد تدقيق هوياتهم أنهم ينتمون إلى اللواءين 45 و46 من الحشد الشعبي، المرتبطَين بـ”كتائب حزب الله”. وقد أفادت مصادر أمنية بأن الخلاف نشب إثر رفض المدير السابق تسليم المنصب، في مشهد يعكس هشاشة العلاقة بين مؤسسات الدولة وتشكيلات عسكرية غير نظامية باتت تتصرف وكأنها فوق القانون والدولة .
■ الضحايا: مدنيون بلا ذنب
من بين الضحايا سائق تكسي كان مارًا قرب الموقع، قضى نحبه برصاص “نيران صديقة”، في توصيف متخاذل للرصاص الميليشياوي الذي لا يفرّق بين عسكري ومدني.
وكتب الأكاديمي الدكتور إياد العنبر تعليقًا مؤلمًا:
“ما هو ذنب العراقي؟ يخرج لكسب قوته فيعود بجثة محترقة… تأتيه رصاصات من سلاح يُلغي الدولة وهيبتها.”
■ السوداني أمام ساعة الحقيقة
على إثر الحادث، ترأّس رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، محمد شياع السوداني، اجتماعًا أمنيًا طارئًا، أكد فيه أن هيبة الدولة خط أحمر، متوعدًا بمحاسبة المتورطين وفق القانون.
وقال السوداني بوضوح:
“لا أحد من حقه أن يحل محل الدولة، وليس هناك جهة فوق القانون.”
كلمات صارمة، لكنها ستبقى حبراً على ورق ما لم تُترجَم إلى أفعال جريئة وحاسمة.
لقد وصلت الدولة إلى لحظة لا يمكن فيها مداراة الفوضى ولا التسويف، لأن من يعتدي على المؤسسات الرسمية اليوم، قد يعتدي على السيادة غدًا، ولن تنفع حينها اللجان ولا التصريحات حتى لو كانت شديدة اللهجة !!
■ انقسام داخل “الحشد” نفسه .
في تطور لافت، أعلن قائد لواء “أنصار المرجعية” حميد الياسري – المنضوي ضمن الحشد الشعبي – موقفًا واضحًا، قال فيه:
“من يطلق النار على قوات الدولة لا يمثّل حشد فتوى الجهاد، بل يمثل حشد المناصب والمغانم.” !!!
وأضاف داعيًا إلى المحاسبة:
“على القضاء أن يتحرّك بلا خشية من السلاح المنفلت، وعلى الدولة أن تبسط سلطتها على كل من يهدد السلم المجتمعي.”
■ لا إصلاح دون احتكار السلاح
الحادثة تؤكد مجددًا أن الازدواجية في حيازة السلاح والولاء هي الخطر الأكبر على مستقبل العراق. فكيف لدولة أن تبسط سلطتها، وهي عاجزة عن فرض مدير على دائرة حكومية؟
ما حصل ليس مجرد خلل أمني، بل انكشاف سياسي وأخلاقي. وإذا لم تتحوّل هذه الحادثة إلى نقطة تحوّل في نهج الحكومة تجاه السلاح المنفلت، فإن الصدام القادم قد لا يكون في دائرة زراعة، بل في قلب الحكومة نفسها.
■ الختام: هل دقت ساعة القرار؟
ما جرى في دائرة زراعة الكرخ لم يكن حادثًا عابرًا، بل ناقوس خطر أخير. وعلى السوداني أن يختار: إما أن يكون رجل الدولة الذي يواجه الميليشيات، أو أن يُسجَّل في التاريخ كمن أدار وجهه " عجزاً " في اللحظة الحاسمة.
العراق لا يحتاج إلى بيانات استنكار… بل إلى قرار تاريخي بحصر السلاح بيد الدولة.
فهل يفعلها السوداني ؟

