الخنجر، الحلبوسي نصيحة دافئة قليلا
حيثيات ومقدمات:
لستُ عاملاً في السياسة ولا عدواً أو نصيراً لأحد، لكن ما أفهمه من السياسة أنها أسلوب متمدن أوجده الإنسان من طبعه لتدبير شؤون العيش مع الجماعة، وهي تبقى تحت أعين الناس، يراقبون من تصدّر وظهر في غياب النخب القيادية؛ النخب الحقيقية هي تلك التي تبتعد عن الاضطراب، ولا تقدر على العمل إلا للبناء والإصلاح بعيداً عن الفوضى، وحيث أن السادة ممن برزوا اليوم، وهم كما يقول البدوي: (هذه حصواتنا)، فإن الواجب عليهم أن ينظروا إلى برامج واضحة ورؤية جادة بعد هذا الزمن الطويل من العمل، لا بد أن يظهر حملٌ للمسؤولية، أما إذا كان الأمر مجرد علاقات عامة ومصالح والتئام مؤقت ينتهي مع الانتخابات لتتقاسم الحصص ثم افتراق بعد العناق، فهذا ما أنصحكم أن تثبتوا عكسه، لأن الأصوات التي تُشترى قد لا تكفي لتحقيق حلم الحالمين ولا وهم المتوهمين في لعبة المال وكراسي الحكم.
العراق الذي نراه اليوم يتمزق بعقلية المكونات والطائفية والعرقية وصراع على العظم بعد أن نفد اللحم، في ابتسامات سابقة ما كادت تصل التهاني والتبريكات حتى تنتكس الاتفاقات، وتُشترى الولاءات، ويتخندق المتعانقون، ولا يمكن تبرير ذلك بأنه خلاف من أجل الوطن، بل هو صراع على الإمارة وظنّ بزعامة دون معرفة معنى الزعامة وواجباتها، ولا القيادة وبنيتها، ولا الرؤية ومتنها، وهذا الخلل ليس خاصاً بأسماء بعينها بل هو علة عامة عند أغلب من تصدّر المشهد.
ليس عيباً أن نقرّ بأن العراق اليوم بلا رؤية شاملة، برامج الساسة في مجملها تقوم على قاعدة (أنا ناجح لان غيري فاشل) أو هي محاولة لفرض الذات، ومع غياب نخبة البناء، أصبح الأمر محض انتظار يائس؛ لكن الانتظار وحده لن ينقذ العراق، البلد بحاجة إلى أحزاب مؤسساتية وليس أملاك شخصية مؤسسة تحمل فهماً مختلفاً للعمل السياسي، مؤسسة تبدأ من مركز دراسات حقيقي، يتبعه مركز للتأهيل والتدريب والتعليم المستمر، لماذا؟ لأن الوزارات ومؤسسات الدولة لم تعد قادرة بأسلوبها الحالي على حل مشاكلها أو النهوض بالبلد؛ الكل بحاجة إلى إعادة تأهيل، بدءاً من القيادات السياسية والإدارية وصولاً إلى أصغر موظف، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا عبر مؤسسات علمية مستقلة أو حزبية مسؤولة تحمل على عاتقها هذه المهمة.
الدجاجة الذهبية تحتضر:
الوضع لا يحتاج إلى مجاملة، العراق يحتضر، الاقتصاد متردٍ، الصناعة متوقفة، الزراعة فاشلة، التفكير الاستراتيجي مفقود، والتخطيط محض كلام بلا معطيات، الموازنات تكتب وتقرّ أو لا تقر غالبا بلا فهم حقيقي لمعناها، والمال يدخل ويخرج بلا وضوح: من يستهلكه؟ كيف؟ ولماذا؟ بلد النهرين يعاني العطش، ليس فقط لقطع المياه من دول المنبع، بل لسوء الإدارة وسوء التخطيط، العراق ينمو بشريا ويتدنى بوسائل الحياة واقتصاديا، ويكاد أن يكون طريق رزقه معلوم أو الجوع والابتلاء، القرى مهجورة لأسباب عدة، المدن تتآكل، والناس تفقد الأمل.
في هذا السياق، يصبح إنشاء حزب رصين يتبنى مركزاً للدراسات والتأهيل أمراً حيوياً، لا ترفاً؛ هذا المركز سيكون بمثابة منظومة عقلية يقدم حلولاً علمية وعملية: دراسات عن الاقتصاد، عن المياه، عن التعليم، عن الصحة، عن الإدارة العامة، يقدم برامج لتأهيل المسؤولين في كيفية وضع السياسات، وإدارة الوزارات، والتخطيط بعيد المدى، يقدم ورش تدريب مستمرة للموظفين الحكوميين في كل القطاعات، يرفع مستواهم المهني، ويزودهم بأدوات جديدة، يعقد حلقات نقاش بين الخبراء والنخب لتوليد أفكار خلاقة تنقل العراق من واقع الأزمة إلى أفق الحل.
إن التعليم المستمر والتدريب ليس رفاهية، بل هو اليوم شرط بقاء كل دول العالم التي خرجت من الأزمات اعتمدت على مراكز تفكير مستقلة أو حزبية تمد الدولة بالمعرفة، وتعمل كخزان خبرة، وتكون عيناً ناقدة تراقب وتصحح، أما إذا بقينا في دوامة المصالح الشخصية، فالبلد الميت لا ينفع المصلح ولا ينفع من يريد استثماره، العراق بحاجة إلى عقل جديد لا يكرر فشل الماضي، حزبكم إذا تبنى مركزاً كهذا، يمكن أن يجمع حوله نخب البناء، ويصبح أداة لإنقاذ البلد لا مجرد لاعب جديد في سوق الانقسامات.
النصيحة الأخيرة:
الاختبار الحقيقي أمامكم ليس في الفوز بمقاعد ولا في اقتسام حصص، بل في بناء مؤسسة تفكر وتؤهل وتدرّب وتتعلم باستمرار، فالعراق بلا نخبة علمية سياسية لن ينهض، ابحثوا عن نخبكم العلمية، ابنوا مركزكم، افتحوا باب التأهيل والتدريب، دعوا العلم يقود السياسة، حينها فقط، يمكن أن يُكتب سطر جديد في تاريخ العراق لكم فيه دورا إيجابيا، لا مجرد صفحة إضافية في سجل الانقسام والصراع.

