مقالات مختارة

العراق... من يرسم خريطة ما بعد 2025

إيليا أبو عبدالله/العربي الجديد

في كل مرة يقترب فيها العراق من انتخابات جديدة، تتكثف الأسئلة أكثر من الإجابات. لكن انتخابات 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 تبدو مختلفة هذه المرة؛ ليس لأنها تأتي في ظرف داخلي مضطرب فحسب، بل لأنها تتزامن مع موعد دولي حساس: رحيل بعثة الأمم المتحدة (يونامي) عن العراق بنهاية العام ذاته. هل هي مصادفة زمنية؟ أم أنها تقاطع مقصود بين حدثين يُفترض أن يُغلقا مرحلة كاملة من "الوصاية السياسية" على الدولة العراقية؟

حين تتقاطع التواريخ... وتتقاطع الإرادات

الانتخابات في تشرين الثاني/نوفمبر، وانسحاب الأمم المتحدة في كانون الأول/ديسمبر. فهل يُراد للعراق أن يدخل عام 2026 بحكومة جديدة مكتملة قبل أن تطوي الأمم المتحدة آخر صفحات وجودها السياسي؟ أم أن هذا التزامن مجرد ترتيب بروتوكولي لا يحمل في طيّاته رسائل أعمق؟

من يقرأ الرسائل الصادرة من واشنطن وبغداد في الأسابيع الأخيرة، سيلاحظ أن المشهد أكثر تعقيدًا. فالاتصال الذي أجراه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو برئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني لم يكن اتصال مجاملة. كان حادًا في مضامينه: ضرورة ضبط الفصائل المسلحة، وإعادة التوازن في السياسة الخارجية، وتسريع الصفقات التجارية مع الشركات الأميركية. لكن، هل يمكن قراءة هذا الاتصال بمعزل عن تعيين مارك سافايا مبعوثًا أميركيًا خاصًا إلى العراق قبل أيام فقط؟

تعيين في التوقيت الحرج

مارك سافايا، رجل الأعمال الأميركي-العراقي القادم من ملفات الدعم لقرارات وتوجهات ترامب، لم يُعيّن اعتباطًا. فهل أرادت واشنطن أن تضع "مستشارها الخاص" داخل المشهد العراقي قبل انطلاق موسم الحسم الانتخابي؟ وهل سيلعب سافايا دور "المراقب الهادئ" الذي يتابع تطورات ما بعد الانتخابات لضمان أن حكومة ما بعد تشرين الثاني/نوفمبر لن تكون خارج المدار الأميركي؟

ربما لا شيء يُقال صراحة، لكن التتابع الزمني للأحداث يفرض منطقه الخاص. روبيو يتصل... سافايا يُعيّن... والأمم المتحدة تحدد موعد رحيلها النهائي. هل نقترب من لحظة يعاد فيها تعريف "السيادة العراقية" وفق جدول زمني دولي لا يُعلن رسميًا؟

بين تفكيك المليشيات وصفقات الاستثمار

منذ سنوات، يطالب العراقيون بتحرير القرار الوطني من تأثير الفصائل المسلحة ومن سطوة الخارج. لكن، هل يمكن تحقيق ذلك في ظرف زمني لا يتجاوز عشرة أسابيع؟ وما معنى أن تتكرر في الخطاب الأميركي عبارة "تفكيك المليشيات الموالية لإيران" بالتوازي مع "فتح أبواب الاقتصاد أمام الاستثمارات الأميركية"؟ هل هي مصادفة في اللغة، أم جزء من معادلة واحدة: الأمن مقابل الاقتصاد؟

في السياسة، التوازي ليس بريئًا دائمًا. حين تُربط الملفات الأمنية بالاقتصادية، فهذا يعني أن القوى الكبرى لا تترك التفاصيل للمصادفة. فهل نحن أمام خريطة طريق غير معلنة تُلزم بغداد بإنجاز حزمة من التحولات قبل نهاية العام القادم؟

من يمسك بخيوط المرحلة الأخيرة؟

قد يرى البعض أن الانتخابات القادمة ستكون "الأكثر عراقية" منذ 2003، بحكم تقليص دور الأمم المتحدة إلى حدود المراقبة الفنية فقط. لكن آخرين يرون العكس: أن خروج الأمم المتحدة لا يعني نهاية التأثير الدولي، بل بداية شكل جديد منه — أكثر خفاءً وربما أكثر نفوذًا. فمن الذي سيملأ الفراغ السياسي والإداري بعد مغادرة يونامي؟ هل ستكتفي واشنطن بمتابعة المشهد من بعيد، أم أنها تمهّد لوجود بديل، عبر مبعوثها الخاص وشبكة اتفاقاتها الاستثمارية والأمنية؟

ما بعد 31 كانون الأول/ديسمبر

تقول الوثائق الرسمية إن مغادرة الأمم المتحدة هي "طلب عراقي"، لكن هل كانت الرغبة نابعة من داخل الدولة فعلًا، أم من ضغوط أطراف خارجية تريد غلق هذا الملف ضمن جدول زمني محدد؟ وإذا كانت الأمم المتحدة ستغادر، فهل سيغادر معها مفهوم "الشرعية الدولية" الذي ظل يحيط بالعملية السياسية العراقية منذ 2003؟ ثم، هل يستطيع العراق أن ينهي العام 2025 بحكومة مستقرة، خالية من ازدواجية السلاح والتبعية، قبل أن تُطوى الصفحة الأممية الأخيرة؟

الأسئلة أكثر من الأجوبة. لكن ما يبدو أكيدًا أن ما بين اتصال روبيو وتعيين سافايا وموعد الانتخابات الأممية المراقبة يتشكل إطار جديد للمرحلة القادمة. ربما لا يُقال صراحة إن هناك "جدولًا دوليًا لإعادة ضبط العراق"، لكن المؤشرات توحي بأن زمن القرارات المؤجلة قد انتهى.

يبقى السؤال: هل سيدخل العراق عام 2026 كدولة مكتملة السيادة، أم كملف دولي مؤجل حتى إشعار آخر؟