الانتخابات بين جوهر الديمقراطية ومأزق التجربة العراقية
في أصلها، الانتخابات هي ذروة الفعل الديمقراطي، وأرقى وسيلة حضارية لتداول السلطة سلميًا وتجديد الدماء في مؤسسات الدولة.
فهي ليست مجرد مناسبة موسمية تُعلق فيها الصور وتُرفع فيها الشعارات، وتنطلق فيها الوعود دون رقيب او حسيب، بل عملية وعيٍ جماعي، وممارسة سياسية عاقلة تُعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، وتختبر نضج المجتمع ومدى ثقته بذاته وبخياراته.
لكن هذا الجوهر النبيل سرعان ما يُفرغ من محتواه حين تتحول الانتخابات إلى سباق نفوذٍ ومالٍ وسلاح وتحالفات ظرفية، لا إلى ميدانٍ لتنافس البرامج والأفكار والمشاريع.
حينها، يصبح النجاح لا يُقاس بالكفاءة والنزاهة والقدرة على الإصلاح، بل بمهارة المرشح في شراء الأصوات، أو في استمالة الولاءات الضيقة، أو في توظيف العصبيات الطائفية والجهوية والعشائرية، التي تُشوه الوعي العام وتسحق مفهوم المواطنة تحت أقدام المصالح والمكاسب.
إن التجربة العراقية منذ عام 2003 حتى اليوم، تطرح أسئلة مؤلمة لكنها ضرورية:
هل كانت الانتخابات وسيلة للتغيير والإصلاح، أم أداة لتدوير الفشل وتكريس نفوذ القوى ذاتها بأسماء وشعارات مختلفة؟
هل مارس المواطن حقه بحريةٍ ومسؤولية، أم جُرّ إلى صناديق الاقتراع بدافع الخوف أو الولاء أو الحاجة او التضليل ؟
وهل تغيّرت أحوال البلاد حقًا بعد كل دورة انتخابية، أم بقيت الأزمات الكبرى تراوح مكانها بلا حل: السيادة المجروحة، الفساد، البطالة، انهيار الخدمات، ضعف الدولة، وغياب العدالة الاجتماعية؟
لقد آن للعراقيين أن يقفوا وقفة مراجعة صادقة مع الذات، وأن يسألوا أنفسهم بشجاعة:
هل ننتخب لنغيّر فعلاً؟
أم نعيد إنتاج العجز ذاته تحت شعار “الاستقرار” أو بدافع الانتماء الضيق، بينما يستنزف الفساد موارد الوطن ويبدد طاقاته جيلاً بعد جيل؟
إنّ العراق اليوم بحاجة إلى وعيٍ انتخابي جديد، يتجاوز الولاءات القديمة إلى ثقافة المواطنة والمساءلة، ويضع معيار الكفاءة والنزاهة فوق كل اعتبار.
فلا إصلاح دون تغيير حقيقي، ولا تغيير دون وعي، ولا وعي دون مسؤولية.
والمسؤولية تبدأ من صوتٍ نزيهٍ في صندوقٍ حرّ، ينحاز إلى من يخدم العراق لا إلى من يخدم نفسه.
اللهم هيّئ للعراق العزيز من يأخذ بيده إلى حيث الأمن والاستقرار،
ومن يضعه على سكة الدولة العادلة القادرة، التي تُكرّم الإنسان وتُعلي من شأن الوطن.اللهم آمين .

