مقالات مختارة

حمى البرلمان وعدوى الترشيح: الفلونسرات والبلوغرز في قاعة التشريع.

د. صلاح الدليمي . 
البرلمان هو أعلى سلطة في البلد، وظيفته الأساسية هي تشريع القوانين، وتمثيل الشعب، ومراقبة أداء الحكومة. إنه حصن الديمقراطية الذي يُفترض أن يضم نخبة البلد من المختصين والخبراء القادرين على صياغة مستقبل الأمة.
لكن، يشهد المشهد السياسي الحديث ظاهرة غريبة تُعرف بـ "حمى البرلمان وعدوى الترشيح"، حيث بدأ المؤثرون الرقميون (الفلونسرات والبلوغرز)، الذين يمتلكون الشهرة وقاعدة جماهيرية واسعة، بالاندفاع نحو الترشح للعمل النيابي. هذا التوجه يثير قلقاً عميقاً حول مصير السلطة التشريعية ودورها المحوري.
???? الأثر السلبي لترشيح شريحة "التفاهة السياسية"
إن دخول شريحة يعتمد نجاحها على "منهج التفاهة" وإفساد الذوق العام إلى معترك السياسة يُعد ضربة مباشرة لمبدأ الكفاءة والتخصص، ويترتب عليه آثار كارثية:
1. الأثر السياسي والتشريعي: تحويل البرلمان لمنصة للشهرة
 * غياب الكفاءة والخبرة: البرلمان يحتاج إلى مختصين في القانون، والاقتصاد، والإدارة، والعلوم الاجتماعية. ما هو الدور الذي يمكن أن تؤديه هذه الشريحة، التي تفتقر للخلفية السياسية والخبرة التشريعية، في مناقشة وإقرار قوانين مصيرية كقانون الموازنة أو القوانين الأمنية والاجتماعية المعقدة؟ الجواب هو السطحية والجهل التشريعي.
 * تشويه الدور الرقابي: بدلاً من ممارسة الرقابة الجادة والمساءلة الفعالة للحكومة، سيتحول النائب "البلوغر" إلى مجرد "صانع محتوى" يستخدم الحصانة والمنصب لتضخيم شهرته وتحقيق مكاسب شخصية، مما يُضعف هيبة السلطة التشريعية ويُفقدها وظيفتها الحقيقية.
 * تغذية الشعبوية: يميل هذا الصنف من النواب إلى الشعبوية الرخيصة، واستغلال العواطف بدلاً من تقديم الحلول الواقعية، مما يُحيل النقاشات البرلمانية الجادة إلى استعراضات فارغة. 
2. الأثر الاجتماعي والأخلاقي: شرعنة التفاهة
 * تأسيس منهج التفاهة كقيمة: ترشح وفوز هذه الشريحة يبعث برسالة خطيرة للمجتمع مفادها أن النجاح والتأثير لا يتطلبان علماً ولا تخصصاً ولا عملاً جاداً، بل يكفي مجرد الشهرة، حتى لو كانت قائمة على المحتوى الهابط أو المثير للجدل. هذا يُشرعن التفاهة كطريق للسلطة ويُفسد سلم القيم الاجتماعية.
 * هيمنة شهوة الشهرة: يصبح دافع الترشح هو "شهوة الشهرة" و*"حمى السلطة"* كغاية بحد ذاتها، بدلاً من خدمة المواطنين وتحقيق الصالح العام، مما يُكرس الانتهازية على حساب الاستقرار السياسي.
????️ حلول مقترحة لتحصين البرلمان وضمان وصول النخب
لمواجهة هذه الظاهرة الخطيرة وضمان أن البرلمان سيبقى مكاناً للنخب والكفاءات، يجب تفعيل الإجراءات الجذرية التالية:
أولاً: تعديل قانون الانتخابات لضمان الجودة
يجب تعديل قانون الانتخابات بحيث يُفرض على الأحزاب والكيانات السياسية في تشكيل القوائم الانتخابية أن يكون عدد المرشحين مساوياً لعدد المقاعد المخصصة لكل محافظة وليس ضعف العدد. هذا يمنع ظاهرة "حشو القوائم" بأسماء غير كفؤة لملء الفراغات، ويُلزم الكتل بتقديم أفضل الأسماء المتاحة فعلياً لملء المقاعد.
ثانياً: إنشاء معهد الخدمة البرلمانية للتأهيل الإلزامي
يجب إنشاء "معهد الخدمة البرلمانية" ليكون مؤسسة تأهيلية إلزامية. يخضع أي شخص يرغب بالترشح للبرلمان إلى برامج تأهيل كاملة في القانون الدستوري، آليات التشريع، الموازنة العامة، وأخلاقيات العمل السياسي. هذا الإجراء ضروري لضمان أن كل مرشح، بغض النظر عن شهرته، يمتلك الحد الأدنى من المعرفة الذي يليق بالمرشح إلى البرلمان.
ثالثاً: رفع الامتيازات المالية لقطع الطريق على الانتهازيين
هذا هو الحل الأهم لمكافحة "حمى السلطة" التي تغذيها الإغراءات المالية. يجب رفع كل الامتيازات المالية الضخمة التي تُمنح للبرلمانيين، والتي تُعد سبباً كبيراً في التكالب على المنصب:
 * راتب الوظيفة الأصلية: من يفوز بمقعد نيابي يُنسب إلى الدائرة التي كان يعمل فيها (وظيفته الأساسية)، ويتقاضى نفس الراتب مع بعض المخصصات البسيطة الخاصة بالعمل النيابي.
 * العودة إلى الوظيفة: إذا خرج النائب من البرلمان، يعود فوراً إلى وظيفته الأصلية دون أي امتيازات تقاعدية خاصة.
بهذا الإجراء، لن يتقدم للترشح إلى البرلمان إلا النخب المتخصصة التي ترى في العمل النيابي رسالة وواجباً لا مغنماً مالياً. عندها، يلتفت المجتمع إلى الكسب المال بطرق أخرى شرعية، ويتحقق شفاء المجتمع من حمى السلطة وشهوة الشهرة على حساب النظام السياسي واستقرار البلاد.