بين التغيير وتكريس الواقع… أين تقف الديمقراطية العراقية؟...
تأتي الانتخابات في أي دولة كـ أعلى أدوات التغيير السلمي للسلطة ، ووسيلة لإعادة تشكيل المستقبل عبر صناديق الاقتراع. وفي البلدان التي قطعت شوطًا في ترسيخ قيم الدولة والمؤسسات، تُعدّ الانتخابات قاطرة الإصلاح ومحركًا للتجديد الدوري في الحياة العامة.
لكن حين تفتقر البيئة السياسية إلى الحدّ الأدنى من العدالة، وسيادة القانون ، وتنعدم الثقة بين المواطن والعملية السياسية ، يمكن للانتخابات نفسها أن تتحوّل، دون أن نشعر، من أداة للتغيير إلى وسيلة لتكريس الواقع. وهذا ما يبدو أنه حدث في العراق خلال الدورة الانتخابية الأخيرة.
لقد وجد الناخب العراقي نفسه أمام مفترق طرق:
إما أن يمنح صوته لوجوه جديدة تحمل رؤية مغايرة ، أو يعيد إنتاج القوى التقليدية ذاتها، بدوافع شتّى… منها الخوف او الاغراء المادي ، او العصبية والولاءات الضيقة ، وأيضًا اليأس من إمكانية التغيير !!
ومهما كانت المبررات، فقد فضّل جمهور واسع من الناخبين الخيار الثاني، وهو ما انعكس بوضوح على شكل البرلمان الجديد.
غالبًا ما يُقال إن الانتخابات مرآة المجتمع، تعكس وعيه، وأولوياته، ودرجة ثقته بالدولة وبمستقبلها.
وفي هذه الدورة، بدت المرآة واضحة:
الناخب العراقي لم يصوّت لصالح مشروع تغيير جذري، بل حافظ—بقصد أو بغير قصد—على استمرار النظام القائم كما هو ، رغم انه يعاني منه …ومن شخوصه …
لهذا لن يكون هناك اختراق حقيقي…اومعالجة جذرية للازمات والأمراض والتحديات التي تواجه العراقيين وتعطل نهوضهم في السنوات الاربعة القادمة …
مع ذلك، يبقى المجلس الجديد أمام اختبار حقيقي:
هل سينجح في كسر الجمود؟
هل سيستجيب لمطالب الشارع؟
هل يستطيع أن يصنع فارقًا في ملفات حساسة كالإصلاح الاقتصادي ومحاربة الفساد؟
هذه أسئلة ستواجهه منذ اليوم
جوهر الديمقراطية ليس الصندوق وحده، بل ما يحيط به من ثقافة عامة، ومؤسسات محترمة، وسيادة قانون، وإعلام حر، ومحاسبة حقيقية.
لهذا ، يمكن للصندوق أن يغيّر المشهد… لكن فقط عندما يرتفع وعي المجتمع ويؤمن بأن صوته مسؤولية وليس غنيمة أو صفقة أو تصفية حساب.
إن العراق لن يتحرك خطوة واحدة نحو الأمام ما لم يصبح الوعي الانتخابي جزءًا من الوعي العام:
وعي يرفض بيع الصوت،
وعي يبتعد عن الانغلاق الطائفي،
وعي يقيّم البرامج لا الأشخاص،
وعي يرى في الوطن مشروعًا مشتركًا لا ساحة نفوذ.
الخلاصة ، النتائج ليست نهاية الطريق، بل بداية أسئلة جديدة.
وإذا كان ما حصل اليوم تكريسًا للواقع، فهذا لا يعني أن الغد يشبه الأمس.
التغيير يبدأ من تحرير العقل قبل تحرير المقعد النيابي،
ومن وعي المجتمع قبل عدّ أصوات الناخبين.
ولعلّ العبرة الأكبر في هذه الدورة هي:
لا ديمقراطية حقيقية بلا مواطن واعٍ،
ولا تغيير بلا إرادة شعبية صادقة…
والوعي سيبقى التحدي الأكبر، لكنه أيضًا الأمل الأكبر …

