حقوق و حريات

حمير من غزة تحط في حدائق ألمانيا.. وأطفالها الجرحى عالقون خلف الأسلاك

في بلدة أوبنهايم الصغيرة في ولاية راينلاند – بفالتس الألمانية، كان الحدث الأبرز في حديقة الحيوانات المحلية مؤخرا وصول أربعة حمير قادمة من قطاع غزة. وصلت الحيوانات أولا إلى مطار لياج في بلجيكا على متن طائرة شحن، ثم نُقلت عبر البر إلى ألمانيا، حيث أُعدّت لها حظائر معزولة ووفرت لها أغطية إضافية لأنها معتادة على مناخ أكثر دفئا في غزة، كما أوضح موقع ND الإخباري الألماني.

بعد استفتاء بين الزوار، أطلق على الحمير أسماء جديدة: آنا، إلسا، غريتا ورودي. وبحسب إدارة الحديقة، بدأت الحيوانات «تتعرف بحذر» على بقية قاطني المكان، في مشهد يبدو للوهلة الأولى كقصة إنقاذ لطيفة لحيوانات نجت من أهوال الحرب.

خلف هذه الرحلة يقف تجمع إسرائيلي يحمل اسم «زوفلوخت تسوم نوأنفانغ» أي «ملجأ لبداية جديدة»، يقول إنه أنقذ عشرات، وربما مئات الحمير من قطاع غزة منذ اندلاع الحرب. ويؤكد القائمون عليه أنهم أخرجوا من القطاع مئات الحيوانات التي كانت تستخدم في الأعمال اليومية والنقل داخل مناطق فقيرة ومحاصرة، بدعوى حمايتها من الجوع والإصابات والقصف.

غير أن هذه القصة التي قُدمت في الإعلام المحلي باعتبارها مبادرة إنسانية لرعاية الحيوانات، سرعان ما تحولت إلى رمز لمفارقة قاسية. ففي الوقت الذي تعبر فيه الحمير الفلسطينية الحدود الأوروبية وتحصل على مأوى آمن في حدائق ألمانية خضراء، يبقى آلاف الأطفال الجرحى في غزة عالقين خلف الأسلاك والحصار، محرومين من فرصة مماثلة للحصول على العلاج في ألمانيا أو غيرها من الدول الأوروبية.

على مدى شهور، حاولت مدن ألمانية كبرى إطلاق مبادرات لاستقبال أطفال مصابين من غزة ونقلهم إلى مستشفيات متخصصة. مدينة هانوفر كانت في مقدمة هذه الجهود، إذ أعلنت عن مشروع لاستقبال نحو عشرين طفلا من غزة وإسرائيل لتلقي العلاج، بدعم من ممثلين عن الجاليتين الفلسطينية واليهودية في المدينة، وانضمت لاحقا مدن أخرى مثل بريمن ودوسلدورف ولايبزيغ وبون وفرانكفورت وكيل، إلى جانب دعم من كنائس ومؤسسات مدنية

لكن الحكومة الفدرالية في برلين أوقفت هذا المسار. وزارة الداخلية بررت رفضها للمبادرة بالقول إن الأوضاع في غزة «غير مستقرة وغير قابلة للتنبؤ»، وإن إخراج الأطفال للعلاج في ألمانيا يتطلب «إجراءات معقدة لتحديد الهوية وضمان أمن المرافقين وتحديد تكاليف العلاج وضمان العودة بعد انتهائه».

هذه الحجج لم تُقنع العديد من المسؤولين المحليين. رئيس بلدية هانوفر، بليت أوناي، وصف قرار الحكومة بأنه مخيب للآمال وغير مفهوم، مؤكدا أن المدن المشاركة أعدت كل الترتيبات الطبية والنفسية اللازمة لاستقبال الأطفال دون تحميل الحكومة الاتحادية تكاليف إضافية. واعتبر مسؤولون آخرون أن حرمان الأطفال من فرصة العلاج في الخارج، رغم توفر المستشفيات والكوادر المتخصصة، تصرف «قاس وغير إنساني» في ظل تقديرات تشير إلى حاجة عشرات الآلاف في غزة للعلاج خارج القطاع.

في المقابل، تبدو الطريق مفتوحة أمام مبادرات نقل الحيوانات. فالجمعية الإسرائيلية نفسها تتحدث عن إجلاء مئات الحمير من غزة منذ بداية الحرب، عبر ترتيبات لوجستية ودبلوماسية معقدة، ما يعني أن القدرة على فتح الممرات وتأمين الرحلات متوفرة حين يتعلق الأمر بالحيوانات، لكنها تصطدم بسلسلة طويلة من الشروط والاعتراضات عندما يتعلق الأمر بالأطفال.

منظمات دولية، من بينها منظمة الصحة العالمية، حذرت مرارا من أن آلاف الأطفال في غزة يحتاجون بصورة عاجلة إلى إجلاء طبي بسبب إصابات خطيرة، من بتر أطراف وتشوهات عميقة، إلى صدمات نفسية لا يمكن علاجها في مستشفيات مدمرة أو منهكة. ومع ذلك، لم تتمكن المبادرات الألمانية سوى من إدخال حالات محدودة جدا، اضطر أصحابها لمغادرة البلاد فور انتهاء العلاج.

وأشارت بلدية أوبنهايم في ردّها على استفسارات صحافية إلى أنها لم تشارك بصورة مباشرة في ترتيبات إدخال الحيوانات، موضحة أن الاتصالات تمت حصراً عبر شبكات دولية ناشطة في مجال حماية الحيوانات. وفي حديقة الحيوانات نفسها، أكد المسؤولون أن التنسيق جرى عبر وسطاء دوليين، بينما رفضت إحدى الموظفات الخوض في المزيد من التفاصيل، قائلة إنهم امتنعوا عن تقديم معلومات إضافية حول الحمير بعد تعرضهم لوابل من الهجمات الرقمية وحملة انتقادات حادة على الإنترنت. وبحسب خبراء فقد كان منظمو المبادرة يدركون منذ البداية أن العملية قد تثير جدلاً واعتراضات، لا سيما من جانب من يرون أن نقل الحمير من غزة يعني عملياً سحب جزء من وسائل الرزق من سكان محاصَرين، في وقت تعاني فيه البنية التحتية والاقتصاد المحلي من دمار واسع النطاق.