رأي تجديد

خطيئة تفسير المادة 76… من الدستور …حين حُرِف مسار الديمقراطية

من أخطر ما أصاب التجربة الديمقراطية في العراق بعد عام 2003، تفسير المحكمة الاتحادية للمادة (76) من دستور 2005، ذلك التفسير الذي فتح الباب للالتفاف على إرادة الناخب، وأفرغ الانتخابات من معناها الحقيقي.

فالمفهوم الصحيح لـ”الكتلة الأكبر” هو أن تكون القائمة الانتخابية الفائزة في الانتخابات، لا الكتلة التي تُفصَّل لاحقًا عبر التحالفات والمساومات. وهذا الفهم لا ينسجم فقط مع إرادة المشرّع، بل يحترم صوت الناخب، ويمنح العملية الانتخابية قيمتها بوصفها وسيلة للتداول السلمي على السلطة.

وفي انتخابات 2010، فازت القائمة العراقية بالمرتبة الأولى بحصولها على 91 مقعدًا، متقدمة على قائمة دولة القانون التي حصلت على 89 مقعدًا. ومع ذلك، حُرمت القائمة العراقية من حقها الطبيعي والدستوري في الشروع بتشكيل الحكومة، بسبب تفسير سياسي للمادة (76)، لا تفسير دستوري منصف.

يومها سألنا: إذا كانت نتائج الانتخابات لا تُحترم، وإذا كان بالإمكان تجاوز القائمة الفائزة وانتظار تحالفات ما بعد الاقتراع لصناعة “الكتلة الأكبر”، فما جدوى الانتخابات أصلًا؟ وما معنى أن يصوّت الشعب، إذا كانت إرادته يمكن أن تُعطل بقرار سياسي ثم يُمنح هذا القرار غطاءً قضائيًا؟

ما حدث لم يكن اجتهادًا قانونيًا بريئًا، بل جاء في سياق تخادم أمريكي–إيراني واضح، أسهم في حرف مسار الديمقراطية في العراق. فقد تلاقت مصالح الطرفين آنذاك على إنتاج تسوية سياسية مخصوصة، كانت الحسابات الإقليمية والدولية فيها مقدمة على استحقاق الانتخابات وعلى المصلحة الوطنية العراقية. وهكذا خضع القضاء لضغط السياسة، وصدر التفسير الكارثي الذي لم يظلم القائمة العراقية وحدها، بل وجّه ضربة قاسية لفكرة الديمقراطية نفسها.

ومنذ تلك اللحظة، بدأ مسار خطير: تراجع الثقة بالانتخابات، واهتزت قناعة المواطن بجدوى المشاركة، وانفتح الباب أمام مزيد من الانتهاكات الدستورية والتأويلات المسيسة، حتى أصبح النص الدستوري نفسه عرضة للتكييف بحسب موازين القوة لا بحسب قواعد العدالة.
إن معالجة هذه الخطيئة باتت ضرورة لا تحتمل التأجيل، بدءًا من نقض التفسير السابق قانونيًا، وإلزام المحكمة الاتحادية بإصدار تفسير محدث يقر بأن الكتلة الأكبر هي القائمة الفائزة في الانتخابات، ثم تعديل النص الدستوري لاحقًا بما يمنع أي عبث أو اجتهاد منحرف في المستقبل.

أما هذه الخطيئة، فلا ينبغي أن تمر بلا مراجعة أو محاسبة، بعد أن تركت آثارًا عميقة على مستقبل العراق وأمنه واستقراره. والأمل أن تمضي هذه الصحوة القانونية المتأخرة جداً إلى نهاية هذا المسار، وأن يُترجم هذا الفهم إلى موقف قضائي حاسم يعيد الاعتبار للدستور، ولإرادة الناخب، وللديمقراطية التي جرى الالتفاف عليها.