حين يتحول السلاح إلى عبء: المليشيات وازدواجية السلطة في العراق
في مشهدٍ صادمٍ يتكرر بصيغٍ مختلفة، تعرّضت بناية جهاز المخابرات العراقي صباح اليوم لهجومٍ بطائرة مسيّرة، أسفر عن مقتل ضابطين. اللافت في الحادثة ليس فقط خطورتها الأمنية، بل دلالتها السياسية العميقة: فالمسيّرة لم تأتِ من خارج الحدود كما هو مألوف في الحروب التقليدية، بل انطلقت من داخل الأراضي العراقية نفسها. هنا تتكشف أزمة الدولة بأوضح صورها.
هذه الحادثة ليست استثناءً، بل حلقة في سلسلة اعتداءات طالت مرافق سيادية ومدنية: مطارات، فنادق، حقول نفط وغاز، وحتى مقار بعثات دبلوماسية. والفاعل—كما تشير الوقائع—فصيل مسلح يرتبط بقيادة وولاء عابرة لحدود الدولة العراقية.
إن أخطر ما تواجهه الدول ليس التهديد الخارجي فحسب، بل نشوء كيانات موازية تنازعها سلطتها داخل حدودها. في العراق، لم تعد المليشيات مجرد ظاهرة أمنية، بل تحوّلت إلى بنية قائمة بذاتها: تمتلك السلاح، والتمويل، والنفوذ، وتفرض إرادتها حتى على مؤسسات الدولة بالتهديد والوعيد .
المفارقة الصادمة أن هذه الفصائل تُموَّل —جزئياً أو كلياً— من ميزانية الدولة نفسها، أي من أموال الشعب، بينما لا تخضع لسلطتها الفعلية. إنها معادلة مختلة: دولة تموّل من ينازعها، وتدعم من يضعفها.
المشكلة لا تكمن فقط في السلاح المنفلت، بل في ازدواجية الولاء. حين يكون قرار السلم والحرب بيد جهات خارج إطار الدولة، فإن السيادة تصبح مفهوماً نظرياً لا واقعاً ملموساً.
الفصيل الذي يطلق صاروخاً أو يسيّر طائرة مسيّرة من داخل البلاد دون قرار حكومي، إنما يعلن—فعلياً—أن الدولة ليست صاحبة القرار النهائي.
وهنا يتحول العراق إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، تُدار فوق أرضه، وتُدفع أثمانها من أمنه واستقراره واقتصاده.
الأكثر خطورة من الفعل نفسه، هو ردّ الفعل—أو غيابه.
الحكومة العراقية، رغم امتلاكها الشرعية الدستورية، تبدو مترددة في مواجهة هذه المليشيات. والسبب لا يعود فقط إلى التعقيدات السياسية، بل إلى خشية حقيقية من قوة هذه الجماعات وقدرتها على الرد.
لكن هذا التردد يخلق حلقة مفرغة:
-
كلما ضعفت هيبة الدولة، تعزز نفوذ المليشيات
-
وكلما تعزز نفوذها، ازداد تردد الدولة
والنتيجة: تآكل تدريجي لسلطة القانون، وتحول الدولة إلى كيان هشّ، عاجز عن حماية مؤسساته.
لا يمكن لأي دولة أن تحقق استقراراً حقيقياً في ظل تعدد مراكز القوة.
الاستثمار يهرب، الاقتصاد يتعثر، والثقة الشعبية تتآكل عندما يشعر المواطن أن الأمن مرهون بجهات غير رسمية، وأن القانون لا يُطبق على الجميع.
كما أن استهداف البنى التحتية—من مطارات وحقول طاقة—لا يهدد فقط الأمن، بل يضرب عصب الاقتصاد الوطني، ويقوّض فرص التنمية.
المعالجة لا يمكن أن تكون جزئية أو مؤقتة، بل تتطلب مشروعاً وطنياً متكاملاً، يقوم على:
-
حصر السلاح بيد الدولة بشكل فعلي لا شكلي
-
إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة وفق الدستور والقانون
-
تعزيز استقلال القرار السيادي ومنع أي ولاءات خارجية
-
بناء مؤسسات أمنية قوية ومهنية قادرة على فرض القانون دون تمييز
-
إرادة سياسية حازمة لا تخضع لحسابات الخوف أو التوازنات المؤقتة
الخلاصة
ما جرى من استهداف لجهاز المخابرات ليس حادثاً عابراً، بل جرس إنذار جديد.
فالدولة التي لا تحتكر استخدام القوة، ولا تملك قرار الحرب والسلم، تظل دولة منقوصة السيادة، مهما امتلكت من مؤسسات أو موارد.
إن استمرار ظاهرة السلاح المنفلت والمليشيات الخارجة عن القانون لا يعني فقط تهديد الأمن، بل يعني—ببساطة—تقويض فكرة الدولة نفسها.
وفي لحظة ما، لا يعود السؤال: من أطلق المسيّرة؟
بل يصبح: من يحكم فعلاً

