رأي تجديد

العراق… غني بالموارد… فقير بالخيارات... اما حان الوقت للتغيير؟؟؟...

في لحظات الأزمات تُختبر صلابة الدول، لا بما تملكه من ثروات، بل بقدرتها على إدارة تلك الثروات بحكمة واستشراف. والعراق، الذي حباه الله بثروات نفطية هائلة، يجد نفسه اليوم في مأزق استراتيجي خطير نتيجة اعتماد شبه كامل على مورد واحد ومسار واحد لتصديره.

تشير الوقائع إلى أن الاقتصاد العراقي لا يزال اقتصاداً ريعياً بامتياز، يعتمد بشكل رئيسي على صادرات النفط الخام كمصدر شبه وحيد للإيرادات. هذا النموذج، رغم ما يدرّه من أموال في أوقات الاستقرار، يتحول إلى نقطة ضعف قاتلة عند أول اضطراب جيوسياسي.  

إن حصر تصدير النفط العراقي عبر مسار واحد يمر من خلال "مضيق هرمز " يمثل مخاطرة استراتيجية كبرى. فهذا الممر، رغم كونه ممراً دولياً تحكمه اتفاقيات قانونية، يبقى عرضة للتوترات الإقليمية والصراعات الدولية، كما شهدنا في أكثر من واقعة .

إغلاق هذا المضيق – حتى لو مؤقتاً – لا يعني فقط توقف تدفق النفط، بل شلل الاقتصاد العراقي بالكامل، وتعطّل قدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها المالية، من رواتب  وإعانات إلى الإنفاق على خدمات أساسية. وهنا تكمن خطورة الارتهان لممر واحد لا تملك الدولة السيطرة عليه.

المفارقة المؤلمة أن العراق لم يكن دولة بلا خيارات. فالتاريخ القريب والبعيد يشهد أن الحكومات العراقية المتعاقبة ، حتى في العهد الملكي، كانت تستحضر دائماً سيناريوهات الطوارئ، فأنشأت شبكة واسعة من خطوط الأنابيب امتدّت في العهد الجمهوري شمالاً وغرباً وجنوباً.

هذه البنية التحتية لم تكن ترفاً، بل كانت تعبيراً عن فهم عميق لمخاطر الجغرافيا السياسية. لكن ما حدث لاحقاً هو إهمال متراكم، أدى إلى تآكل تلك الشبكات، حتى باتت اليوم بحاجة إلى سنوات لإعادة تأهيلها، إن توفرت الإرادة.

في المقابل، نجد أن دول الخليج العربي – رغم استقرارها النسبي – لم تغفل عن هذه المخاطر، فعملت على تنويع منافذ التصدير، وإنشاء موانئ وخطوط بديلة، بل واستثمرت في بنى تحتية تضمن استمرار تدفق صادراتها في أسوأ الظروف.

هذه الدول لم تنتظر الأزمة لتتحرك، بل استبقتها. أما العراق، فبقي أسير ردود الفعل، لا صانعاً للسياسات الاستباقية.

إن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في تعدد منافذ التصدير، بل في طبيعة الاقتصاد ذاته. فالاقتصاد الريعي يخلق هشاشة بنيوية، تجعل الدولة رهينة لتقلبات السوق العالمية، وأهواء السياسة الدولية.

لذلك، فإن أي إصلاح حقيقي يجب أن ينطلق من محورين متلازمين:
    1.    تنويع منافذ تصدير النفط: عبر إعادة تأهيل خطوط الأنابيب القديمة، وإنشاء مسارات جديدة نحو البحر المتوسط أو عبر دول الجوار.
    2.    تنويع الاقتصاد الوطني: من خلال الاستثمار في القطاعات الإنتاجية، الصناعية والتكنولوجية، لتقليل الاعتماد على النفط.

الخلاصة …إن الأمن الوطني للعراق لم يعد مسألة عسكرية فقط، بل أصبح مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالأمن الاقتصادي. والاقتصاد بدوره مرتبط بقدرة الدولة على إدارة مواردها وتنويع خياراتها.

إن الإبقاء على الوضع الحالي يعني القبول الضمني بأن يبقى العراق رهينة قرار قد يُتخذ خارج حدوده في لحظة توتر إقليمي. أما الخروج من هذا المأزق، فيتطلب شجاعة سياسية، ورؤية استراتيجية، وإرادة لا تخضع للحسابات الضيقة.

لقد آن الأوان أن ينتقل العراق من دولة غنية بالموارد، فقيرة في الخيارات… إلى دولة تمتلك مواردها وتتحكم بمصيرها..