عناوين الصحف

المدى: 12 زعيماً «مستبدّاً برأيه».. الإطار غير مكترث ببقاء البلاد بلا حكومة

بغداد / تميم الحسن

يبدو أن أزمة تشكيل الحكومة آخذة في التمدد، بعد أن دخلت البلاد رسمياً مرحلة «الخرق الدستوري» من دون حسم منصب رئيس الوزراء.
وحتى يوم أمس – لحظة كتابة التقرير – لم يكن هناك أي اتفاق سياسي لإنهاء الأزمة، مع تمسّك نوري المالكي ومحمد شياع السوداني بالمنصب.
في موازاة هذا الانسداد، طُرحت عدة اقتراحات لإنهاء الأزمة، من بينها العودة إلى قائمة تضم «9 مرشحين»، أو البحث عن «مرشح تسوية».
ويوم السبت الماضي، فشل «الإطار التنسيقي» مرةً جديدةً في الاتفاق على اسم رئيس الوزراء.
وبعد نحو 170 يوماً على إجراء الانتخابات التشريعية، عاد المشهد السياسي في العراق إلى نقطة البداية بشكل مفاجئ. فبدلاً من حسم اسم رئيس الحكومة المقبلة، يتجدد الصراع داخل البيت الواحد، وتحديداً بين نوري المالكي ومحمد شياع السوداني.
وكان يُفترض أن القوى الشيعية قد تجاوزت هذه المرحلة قبل أربعة أشهر، حين فاجأ السوداني، بصفته رئيس حكومة تصريف الأعمال، حلفاءه في «الإطار التنسيقي» بالتنازل عن ترشيحه لصالح المالكي، زعيم «ائتلاف دولة القانون». غير أن هذا التنازل لم يؤدِّ إلى حسم الملف، بل فتح الباب أمام تعقيدات إضافية كشفت عن هشاشة التفاهمات داخل التحالف.
ومنذ ذلك الحين، بدأ السوداني وأطراف داخل «الإطار التنسيقي» البحث عن مخرج للورطة التي وجد فيها الجميع أنفسهم.
وخلال الأشهر الأربعة الأخيرة، طرق التحالف الشيعي أبواب الداخل والخارج في محاولة لتمرير المالكي أو أي مرشح آخر داخل البرلمان، لكنه لم ينجح في تحقيق ذلك.
وبات هذا المأزق يُوصف استعارةً بعبارة قديمة: «الدجاجة من البيضة أم البيضة من الدجاجة؟». إذ يعيش «الإطار التنسيقي» حالةً مشابهةً لهذه المعضلة؛ فبعض القوى ترى أن على المالكي إعلان انسحابه أولاً، فيما ينتظر المالكي أن يعلن الإطار نفسه سحب ترشيحه.
وبين هذين الموقفين، يقف التحالف عاجزاً عن اتخاذ قرار واضح، في حلقة مفرغة تعيد إنتاج الأزمة من دون أفق حاسم.
تعطّل الاجتماعات
قالت مصادر خاصة لـ(المدى)، أمس الأحد، إنه «لا توجد أي دعوات أو اتفاقات لعقد اجتماع جديد لـ"الإطار التنسيقي" بعد فشل اجتماع السبت».
وأكدت المصادر، القريبة من أجواء المفاوضات، أنه «حتى الآن – مساء الأحد – لا يوجد أي اتفاق سياسي على اختيار رئيس وزراء جديد».
وأشارت إلى أن داخل «الإطار» هناك «12 رأياً»، وهو عدد زعماء التحالف الشيعي، بشأن المرشح وآليات اختيار رئيس الحكومة، في دلالة على حجم التباين داخل الكتلة نفسها.
وبشأن الأسماء المطروحة، شددت المصادر على أنه «لا يوجد سوى خيارين: محمد شياع السوداني أو نوري المالكي، أو أن يقوم الاثنان بترشيح أسماء بديلة عنهما»، مؤكدةً «عدم وجود سيناريوهات أخرى»، وهو ما يتعارض مع روايات شركاء آخرين داخل التحالف.
وعن سلسلة الاجتماعات السبعة الأخيرة لـ«الإطار التنسيقي»، التي فشل آخرها مساء السبت، وصفت المصادر تلك اللقاءات – التي كان يُفترض أن تحل الأزمة – بأنها «جلسات سوالف وعتاب، وأحياناً صراخ وشجار، من دون أي نتائج».
وكشفت أن اجتماعاً كان مقرراً عقده مساء السبت بين المالكي والسوداني، وُصف بأنه «حاسم»، لم يُعقد بسبب الخلافات.
كما بيّنت أن اجتماع «الإطار» كان مقرراً في الساعة الرابعة مساء السبت، ثم تأجل إلى الثامنة مساءً، قبل أن يُلغى بالكامل.
وبدلاً من الاجتماع الموسع، عُقد «اجتماع رباعي» ضم كلاً من السوداني، وعمار الحكيم، وقيس الخزعلي، وهادي العامري، حيث تمسّك هذا الفريق بمواقفه السابقة، الداعمة لترشيح السوداني أو أي بديل يقدمه.
في المقابل، تؤكد المصادر أن فريق المالكي ما زال متمسكاً برأيه، ويرفض التخلي عن الترشيح، رغم وجود ما تصفه بـ«فيتو أميركي».
وفي ما يتعلق بالمدد الدستورية، أوضحت المصادر أن «عرفاً سياسياً بات سائداً يقضي بتمديد فترة اختيار رئيس الحكومة من دون سقف زمني»، كما حدث في تكليف مصطفى الكاظمي، وكذلك السوداني، حيث استغرقت عملية التشكيل نحو عام كامل.
وبحسب المادة 76 من الدستور، يُمنح رئيس الجمهورية 15 يوماً لتكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة، وهي مهلة انتهت مساء السبت.
كما أن انتخاب رئيس الجمهورية – الذي يُفترض أن يتم في الجلسة الأولى للبرلمان – تعطّل لنحو أربعة أشهر.
وقالت المصادر إن «القوى السياسية لم تعد تكترث بالتوقيتات، وحتى الضغوط الإيرانية والأميركية لم تعد قادرة على حل الانسداد الحالي».
وتأكيداً لهذه المواقف، قال همام حمودي، رئيس المجلس الأعلى، إن التأخير في تسمية رئيس الوزراء «ليس مثلبة عراقية أو معركة أشخاص»، بل هو «ظاهرة في الأنظمة البرلمانية».
ومع استمرار الانسداد، تُطرح سيناريوهات متعددة، من بينها استمرار الحكومة الحالية لمدة عام، يعقبه إجراء انتخابات مبكرة.
وقد طُرح هذا الخيار لأول مرة مطلع عام 2026، بعد اعتراض دونالد ترامب على ترشيح المالكي، مع مقترح توسيع صلاحيات الحكومة الحالية مؤقتاً.
ويخضع حل البرلمان في العراق للمادة 64 من الدستور، التي تنص على إمكانية الحل بطلب من رئيس الوزراء وموافقة رئيس البرلمان، أو بطلب من ثلث الأعضاء وتصويت الأغلبية.
وكان «الإطار التنسيقي» يستعد السبت الماضي لعقد اجتماعه السابع، الذي وصفه بأنه سيكون حاسماً، بعد جلسة مشحونة شهدها منزل همام حمودي، زعيم المجلس الأعلى، يوم الجمعة.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن المالكي غادر الاجتماع عقب مشادة حادة مع السوداني، فيما تصاعدت حدة النقاشات إلى مستوى غير مسبوق، شارك فيه محسن المندلاوي وحمودي وآخرون، قبل أن ينتهي اللقاء من دون أي حسم.
وأشارت المصادر إلى أن ما يجري يتجاوز الخلاف السياسي التقليدي، ليدخل في ما تصفه بـ«سيكولوجية الزعماء»، حيث يتقمص كل طرف دور "الملك الذي لا يُنازع"، وهو ما يفسر استمرار الانسداد لأكثر من خمسة أشهر.
المفارقة أن هؤلاء القادة أنفسهم كانوا قد ظهروا قبل انتخابات 2025 بثقة عالية، متحدثين عن "حكومة سريعة".
اجتماعات جانبية بلا اختراق
في موازاة الاجتماعات الرسمية، يكشف القيادي في تيار الحكمة فهد الجبوري لـ(المدى) عن صورة أكثر تعقيداً لما جرى خلف الكواليس، مشيراً إلى أن اجتماع السبت لم يُفضِ إلى أي نتيجة حاسمة، بل أعقبه انقسام إلى اجتماعات جانبية.
ويقول الجبوري إن "زعماء الإطار توزعوا على لقاءات ثنائية أو رباعية، في محاولة لكسر الجمود"، مضيفاً أن "الرؤى المطروحة باتت متعددة ومتشعبة".
وبحسب الجبوري، فإن جزءاً من القوى طرح ثلاثة أسماء قبل الاجتماع الأخير، لكنها قوبلت بالرفض من قبل قادة آخرين، ما أعاد النقاش إلى نقطة الصفر.
في المقابل، برز مقترح آخر يقضي بأخذ نتائج لجنة سياسية شُكّلت في وقت سابق وأفرزت قائمة تضم "9 مرشحين"، على أن يُصار إلى اللجوء إليهم في حال فشل التوافق بين محمد شياع السوداني ونوري المالكي.
ويشير الجبوري إلى أن "جزءاً من الإطار وافق على هذا المسار"، فيما لا يزال آخرون يدفعون باتجاه خيارات مختلفة.
وضمن هذه الخيارات، طُرح مجدداً اسم "مرشح تسوية"، وفق ما قاله الجبوري، من خارج "قائمة التسعة"، إلى جانب حديث عن اختيار شخصية "قادرة على إدارة التوازن مع الخارج"، خصوصاً في ظل توقعات بتصاعد التوتر في العلاقات العراقية – الأميركية.
لكن هذه الفكرة، رغم تداولها، تواجه إشكاليات جوهرية؛ إذ لا يتبناها أي طرف بشكل واضح، ولا تمتلك قاعدة سياسية تحميها داخل الإطار.
وتُوصف هذه الأسماء بأنها "عائمة"، بلا مسؤولية سياسية محددة، ما يجعلها ضعيفة في معادلة التوازنات المعقدة.
حتى الآن، يؤكد الجبوري أن "لا أسماء فعلية مطروحة خارج إطار باسم البدري أو السوداني، أو أي مرشح قد يقدمه السوداني نفسه"، في إشارة إلى طرح اسم إحسان العوادي.
لكن مع تعقّد المشهد، توسعت القائمة لتشمل أسماء أخرى مثل حيدر العبادي، مصطفى الكاظمي، محمد الدراجي، وعدنان الزرفي، في ما يبدو أقرب إلى "بنك خيارات" احتياطي أكثر منه مساراً فعلياً للحسم.
وفي هذا السياق، قدّم رئيس تحالف قوى الدولة الوطنية عمار الحكيم قراءة أوسع للأزمة، معتبراً أن المشكلة لا تتعلق بالأشخاص بقدر ما ترتبط بطبيعة النظام السياسي نفسه.
وقال الحكيم في محفل ببغداد مساء السبت إن "النظام في العراق يقوم على التعددية وفق المبدأ النيابي، لكنه يواجه صعوبة في اتخاذ القرار، لاعتماده على التفاهمات بين الكتل والمكونات".
وأضاف أن "الإطار التنسيقي قدّم أكثر من شخصية وبأكثر من آلية"، مشدداً في الوقت نفسه على "الحاجة الماسة لحسم اختيار رئيس الوزراء ضمن المدة الدستورية".
وحذر الحكيم من تداعيات التأخير، لافتاً إلى أن "العراق يتضرر بشكل كبير من التصعيد الإقليمي، بحكم ارتباط اقتصاده بتصدير النفط".

https://almadapaper.net/433255/